ولذلك الذي نعتقده هو التوقف في الحكم على أعيان المسلمين الذين ثبت لهم الإسلام ودانوا بالإسلام والتزموا بدين محمد -صلى الله عليه وسلم- ثمّ رأوا جواز الدخول في الديمقراطية فدخلوا فيها= أن لا يكفَّروا بأعيانهم حتى تحقّق فيهم الشروط الشرعية وتنتفي عنهم الموانع التي جاء بها الشرع، وهذا لا يمنع من تكفير بعض أعيانهم، وهذا لا يمنع من عدم إلحاق الكفر ببعض أعيانهم.
ولذلك عندما سُئلت عن موضوع العلماء وقلت أن العالم الذي يدخل في دين الطاغوت فيفتيه بحسب هواه أنّه كافر فأنا كنت أتكلم عن الحكم باعتباره ذاته في دين الله، أمّا إلحاق الحكم بمعيّن وبشخص فلا بد من إجراء عملية قضائية، حُكم الزاني في دين الله أنه إن كان مُحصنَا فالرجم وإن كان غير مُحصن فحكمه الجلد، الآن لو جيء برجل فلتحقُّق عمليّة الزنا لا بد من إجراء عملية قضائية عليه لها إجراءات؛ فلا بد من تحقق شروط وإجراء موانع، فقد يكون مُكرهًا، وقد يكون جاهلًا، كرجل دخل على امرأة في الظلمة وظنّها امرأته فزنا بها، ثمّ تبيّن أنّها أجنبيّة، فحتّى نُثْبَت الحكم على هذا المُعيّن لابد أن إجراء عملية قضائية.
فهذا الجواب يقال في مسألة تكفير المسلمين الذين دانوا بالإسلام والتزموا دين محمد -صلى الله علي وسلم- ثمّ دخلوا الديمقراطية ظانّين أنّها جائزة في دين الله، أو عملوا بفتوى بعض العلماء، أو غلبت عليهم شبهة الجواز بالدخول فيها =فلا يجوز أن نُكفّرهم حتّى نُقيم عليهم الحجّة الرساليّة فينتفي عنهم الجهل، ولا يقال في حقّهم الإكراه وإنّما نحن نتحدث هنا عن الجهل والتأويل، فالقصد حاصل بلا شك، فليس من موانع التكفير عدم قصد الكفر ولكن عدم قصد العمل، وبين هذه وهذه فرق كبير كما هو واضح.
فأنا لا أكُفّر أعيانهم حتى تُجرَى عمليّة قضائيّة على كلّ فردٍ من هؤلاء، وأن أقول أنّ كثيرًا من هؤلاء لا أعتقد كُفرهم، وأعتقد في بعضهم الكفر، لأسباب في حقّ هؤلاء ولأسباب في حقّ هؤلاء، هذا هو الذي أدين الله -عزّ وجلّ- به في باب تكفير المعيَّنين ممّن عملوا كفرًا؛ سواء من العلماء في دخولهم في نصرة الطاغوت أو من بعض المسلمين الداخلين في العمليّة الديمقراطيّة.
وأرجو أن أكون قد وُفّقت في بيان هذه المسألة، والله -سبحانه وتعالى- أعلم.