الآن، كيف الشيخ ناصر الألباني مرجئ في التكفير؟
إذا فهمنا هذا علمنا كيف أن الشيخ ناصر مرجئ في التكفير؛ فهو لا يكفّر من ترك ركنًا من أركان الإيمان هذا أمر، وهذا إرجاء، ولكنّه عنده إرجاء زائد في باب التكفير غير هذه المسألة؛ وهي أوضح عنده من هذه المسألة، فإرجاؤه واضح في باب الإيمان ومُسمَى الإيمان؛ في أنّه لا يجعل هناك أي عمل من الأعمال يمكن أن يكون ركنًا من أركان الإيمان، فبالتالي هو لا يُكفِّر من ترك أركان الإيمان وهي التي إذا تركها المرء بطل أصل إيمانه.
النقطة الثانية [1] عنده في قضية الإرجاء، وهي واضحة كُلَّ الوضوح عند الشيخ ناصر الألباني، وصرح الأئمة بأن من قال بهذا هو مرجئ =أنّه يقول تبعًا لهذه النقطة أنّ الأعمال التي سمّاها الله -سبحانه وتعالى- كُفرًا لا يجوز أن نُكفِّر أحدًا بها حتى نعلم ما في قلبه [2] ، وهذا شرطٌ زائد على كتاب الله -سبحانه وتعالى-،
(1) أي الأمر الثاني الذي عند الشيخ الألباني وبسببه وقع في الإرجاء في التكفير.
(2) فالشيخ الألباني لا يرى إلا الكفر الاعتقادي ولذلك لا يحكم بتكفير أي أحد حتى يعلم ما في قلبه أي ما يعتقده، والشيخ الألباني لا يقول بكفر ساب الله سبحانه أو ساب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا يقول بكفر من يستهزئ بالله أو الرسول أو آيات الله حتي يعلم ما يعتقده الساب.
قال الشيخ الألباني:"أن الكفر قسمان: اعتقادي وعملي. فالاعتقادي مقره القلب. والعملي محله الجوارح. فمن كان عمله كفرًا لمخالفته للشرع، وكان مطابقًا لما وقر في قلبه من الكفر به؛ فهو الكفر الاعتقادي، وهو الكفر الذي لا يغفره الله، ويخلد صاحبه في النار أبدًا .. وأما إذا كان مخالفًا لما وقر في قلبه، فهو مؤمن بحكم ربه، ولكنه يخالفه بعمله، فكفره كفر عملي فقط، وليس كفرًا اعتقاديًا، فهو تحت مشيئة الله إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له"، (الصحيحة [2552] (ج 6/ 112 ) ) . وهذا تصريح واضح من الشيخ أنه يحصر الكفر المخرج من الملة بالكفر الاعتقادي فقط.
وقال:"ليست المولاة في حد ذاتها كفرا، كفر ردة، ولكنه معصية كبيرة، فمن استحلها بقلبه كالذي استحل الربا بقلبه، كلاهما ارتد عن الإسلام، ومن لم يستحل بقلبه هذه المعصية أو تلك فلا يزال في دائرة الإسلام ، ليس كل موالاة كفرَ ردة، واضح إلى هنا، [الردة] هو الذي اقترن بالاستحلال القلبي"، (موسوعة الألباني في العقيدة 5\ 655) . وهنا واضح اشتراط الاستحلال للتكفير، وكذلك في نفس المصدر اشترط الشيخ الألباني الاستحلال على كفر من لم يحكم بما أنزل الله.
وقال في رده على سؤال عن كفر دون كفر:"هو هذا الكفر الاعتقادي والكفر العملي، الكفر الاعتقادي والكفر العملي، فمن قام في قلبه كفر اعتقادي فهذا الذي يخرج عن الملة، من قام في ذاته كفر عملي عمله يخالف اعتقاده فهذا هو الكفر الدون الذي لا يكفر به"، (موسعة الألباني في العقيدة 4\ 298)
قال الشيخ الألباني:"من يسب الله -عز وجل- أو يسب نبيه -عليه السلام- أو يسب الدين، الأمر يعود إلى القصد لأن الإنسان قد يتكلم وقد يفعل فعلا في حالة غضب شديد يعميه عن الكلام المستقيم الذي ينبغي أن يتكلم به، فإذا ما سمعنا شخصا من هؤلاء -كما قال الشيخ في بعضهم"السفهاء"- يسب الشرع أو الدين أو رب العزة أو نبيه عليه السلام .. الخ، فإذا ما ذكر وهذا يقع كثيرا منهم ومن الناصحين والمذكّرين لهم يقول: لعنة الله على الشيطان ساعة شيطانية غضبية أستغفر الله، فهذا يدل على شيء مهم جدًا يضطرنا نحن ألا نتسارع إلى إصدار حكم التكفير بحقه لأنه لم يتقصد الكفر كيف وهو يستغفر الله ويعترف بخطئه فيما بد منه"، (سلسلة الهدى والنور شريط 880 حوار مع العبيلان) . فلاحظ كيف اشترط القصد، وهنا يريد قصد الكفر لا قصد الفعل، فهنا خالف صريح الآية واقوال السلف، فالآية واضحة أن المستهزئين لم يقصدوا الكفر ورغم ذلك كفرهم الله سبحانه: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ... لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ، فثبت عدم قصد الكفر وكذلك ثبت وجود الإيمان عندهم ورغم ذلك كفروا لمجرد الاستهزاء، وهذا قد أجمع عليه علماء السلف.=
=وقال كذلك:"لا شكَّ أنَّ هذا كفر اعتقادي، بل هذا كفر له قرنان؛ لأَنَّ الاستهزاء بآيات الله -عزَّ وجلَّ- لا يمكن أَنْ يصدر من مؤمن مهما كان ضعيف الإيمان، وهذا النوع من الكفر الذي يدخل في كلامنا السابق، فاستهزاؤه بآيات الله أكبر إقرار منه أنَّه لا يؤمن بما استهزأ به، فهو كافرٌ كفرًا اعتقاديًا"، (الهدى والنور شريط 672) .
ومن تتبع كلام الشيخ الألباني عن التكفير وجده يربطه بالاستحلال والاعتقاد القلبي ولا يرى أي عمل كفرًا مخرجًا من الملة إلا مع الاستحلال والاعتقاد.
قول ابن العربي المالكي:"لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدًا أو هزلا، وهو كيفما كان كفر؛ فإن الهزل بالكفر كفر، لا خلف فيه بين الأمة، فإن التحقيق أخو الحق والعلم، والهزل أخو الباطل والجهل". (أحكام القرآن)
قال ابن حزم:"صح بالنص أن كل من استهزأ بالله تعالى، أو بملك من الملائكة، أو بنبي من الأنبياء -عليهم السلام-، أو بآية من القرآن، أو بفريضة من فرائض الدين، فهي كلها آيات الله تعالى، بعد بلوغ الحجة إليه فهو كافر"، (الفصل 3\ 299) .
قال ابن تيمية معلقًا على قوله تعالى: {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} (آل عِمرَان: 106) :"دل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله ورسوله يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم ولكن لم يظنوه كفرًا وكان كفرًا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه"، (الفتاوى 3\ 299) .