فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 78

حقيقيًا ولا يقول"لا إله إلا الا الله"؛ ولكن لا نحكم عليه -في الحقيقة- بالإسلام إلا بالشهادة، فالشهادة من أجل الحكم عليه بالإسلام لا من أجل تحقق الإسلام [1] فيه أو تحقق الإيمان فيه، فهذا قسم آخر من المرجئة.

-وهناك قسم من المرجئة -ومنهم الشيخ ناصر الألباني- يقولون أنّ العمل من الإيمان، ولكن تفسير ذلك عندهم أنّ العمل مطلقًا -أي جميع الأعمال- هي من القسم الواجب والمستحب، فعندهم ليس هناك أعمال تدخل في قسم الركن [2] ، وهذا مخالفٌ لعقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب. ومن أراد أن يرجع إلى هذا أي الفرق بين أهل السنة والمرجئة في هذا الباب فليرجع إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه (الإيمان الأوسط) فإنّه صرَّح أن من قال بهذا فهو مرجئ في هذا الباب [3] .

(1) الله سبحانه جعل الشهادتين باب الدخول إلى الإسلام، وجعل النطق بالشهادتين هو مناط عصمة الدماء والأموال والأعراض. وأصل الدين يتحقق بالإقرار المجمل بكل ما صح به الخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تصديقًا وانقيادًا، وهذا هو معنى الشهادتين. وهذا ما أطلق عليه ابن تيمية في كتابه (الإيمان) "الإيمان المجمل".

قال الحافظ ابن رجب في (جامع العلوم) :"ومن المعلوم بالضرورة أن النبي -صلى الله عليه وسلم-كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلمًا. فقد أنكر على أسامة بن زيد قتله لمن قال: لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره عليه. ولم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يشترط على من جاءه يريد الإسلام، أن يلتزم الصلاة والزكاة".

والإسلام يتحقق بشروط غير النطق بالشهادتين مثل الالتزام بالشرائع مثل الصلاة والزكاة ولم يأتِ بما ينقض الشهادتين من قول أو عمل أو اعتقاد. قال ابن تيمية بعد أن أثبت الإيمان المجمل:"ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئًا فشيئًا إن أعطاهم الله ذلك". وقال ابن باز في جوابه على سؤال بما يتحقق الإسلام:"شروط الإسلام شرطان: الأول: الإخلاص لله في العمل، والثاني: الموافقة للشريعة، هذا هو الذي به تنتفع بعباداتك، ويقبل الله منك عباداتك إذا كنت مسلمًا".

(2) قال الشيخ الألباني:"السلف فرقوا بين الإيمان وبين العمل فجعلوا العمل شرط كمال في الإيمان ولم يجعلوه شرط صحة خلافًا للخوارج، واضح هذا الجواب؟!"، (موسوعة الألباني في العقيدة 5\ 636) . وهنا واضح أن الشيخ الألباني جعل العمل شرط كمال ليس صحة، وقال السلف من أخرج العمل من الإيمان هم المرجئة والشرط خارج عن المشروط، وبهذا قال الشيخ الفوزان واتهم القائل بأن العمل شرط أنه جاهل في مسمى الإيمان.

(3) قال ابن تيمية:"وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤدِّ واجبًا ظاهرًا، لا صلاة ولا زكاة ولا صيامًا ولا غير ذلك من الواجبات، ولو قدّر أن يؤدي الواجبات لا لأجل أن الله أوجبها، مثل أن يؤدي الأمانة ويصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر؛ فإن المشركين، وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد -صلى الله عليه وسلم-. ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازما له أو جزءا منه- فهذا نزاع لفظي- كان مخطئا خطئا بينا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف. والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها" (الإيمان الأوسط) ، الفتاوى (7\ 621) .

وهنا يقرر ابن تيمة من لم يأت بالعمل فهو كافر:"وأيضا فان الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل كما دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف، وعلى ما هو مقرر في موضعه، فالقول تصديق الرسول، والعمل تصديق القول، فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنا. والقول الذي يصير به مؤمنا قول مخصوص وهو الشهادتان، فكذلك العمل هو الصلاة. وأيضا فإن حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئًا فما دان لله دينًا، ومن لا دين له فهو كافر" (شرح العمدة 2\ 86) .

وهنا يصرح أن انتفاء عمل الجوارح لا يكون إلا مع نفاق في القلب أو زندقة:"وهذه المسألة لها طرفان: أحدهما: في إثبات الكفر الظاهر. والثاني: في إثبات الكفر الباطن."

فأما الطرف الثاني فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولًا وعملًا كما تقدم، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح"، (الإيمان الأوسط، الفتاوى 7\ 616) ."

ويقرر انتفاء الإيمان بانتفاء الواجبات التي أوجبها النبي -صلى الله عليه وسلم-:"فلا يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد -صلى الله عليه وسلم-. ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازما له أو جزء منه- فهذا نزاع لفظي- كان مخطئا خطئا بينا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف. والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها" (الإيمان الأوسط، الفتاوى 7\ 621) .

انتفاء أعمال الجوارح يتلازم مع انتفاء الإيمان في القلب، قال -رحمه الله-:"وللجهمية هنا سؤال ذكره أبو الحسن في كتاب (الموجز) ، وهو أن القرآن نفى الإيمان عن غير هؤلاء كقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال:2] ، ولم يقل: إن هذه الأعمال من الإيمان. قالوا: فنحن نقول: من لم يعمل هذه الأعمال لم يكن مؤمنا لأن انتفاءها دليل على انتفاء العلم من قلبه."

والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب فإذا انتفت لم يبقَ في القلب إيمان وهذا هو المطلوب، وبعد هذا فكونها لازمة أو جزءا نزاع لفظي" (الفتاوى 7\ 202) ."

ما سبق يثبت التلازم بين أعمال الجوارح والإيمان في القلب وبانتفاء اللازم ينتفي الملزوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت