فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 78

ولا شكّ أنّ الفتوى في ذلك الزمان كانت حقيقيّة ولا مدخل لعدم وجود هذه الفتوى؛ بمعنى أنّ الذي كان يحمل الجنسيّة الفرنسيّة أو جنسيّة الدولة المستعمرة فإنّه كان يصبح جنديًا مقاتلًا من جنود هذه الدولة، ولذلك إيطاليا أخذت مجموعة من الليبيّين ليقاتلوا تحت رايتها في أثيوبيا، وإلى الآن يسمّون في إيطاليا بالمطليلين. وهناك كثير من الجنود الهنود -ومنهم الذين كانوا يتسمّون بأسماء إسلاميّة وأصولهم إسلاميّة- كانوا ضمن الجيش البريطاني الذي حَكَم (الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس) ، حتى أنّه كان عندنا في فلسطين جنود هنود يصلّون ويصومون وهم تحت الراية الإنجليزية، يدافعون عنها ويقاتلون تحتها، وكذا في الجزائر، وكذا في تونس.

فإنّه كان يعني أن يتجنّس المرء أن يفقد هويّته الإسلامية ويصبح جزءًا من الدولة المستعمرة؛ لأنّ هذه الدول المستعمرة كانت تسعى بكلّ جهدها أن تُدخل هذه البلاد في حدودها وضمن سيادتها، وكان الفرنسيون يعتبرون أن الجزائر هي فرنسا الآخرة، وأنّه لا يفصل بين فرنسا الشماليّة وفرنسا الجنوبية (أي الجزائر) إلّا البحر، فكان يريدونها جزءًا منهم، وكانوا يُعاملون رعايا تلك البلاد أنهم جزء من الدولة؛ لا على أساس أنهم مستعمرين جاؤوا للبلاد ليعمّروها وينهبوا ثوراتها فحسب ثمّ يرحلوا؛ بل كانوا يريدون أن يجعلوا هذه الدول وشعوبها ضمن سيادتهم، ولذلك عندما حُوكِم عمر المختار حُوكِم كرجلٍ خائن لوطنه، يقصدون إيطاليا، فهو حوكم بتهمة الخيانة؛ لا بتهمة العمالة أو بتهمة أنه الرجل الذي يريد أن يقاتل من يستعمر بلده، بل عاملوه على أساس أنّه خان الوطن، والوطن هنا هو إيطاليا.

هكذا كان معنى الجنسيّة، وهذا لا مجال للكلام حوله فهو عمل كفريّ، والفتوى التي أصدرها علماؤنا في ذلك الوقت لا شبهة فيها ولا مجال للتلاعب فيها بدخول بعض الأمور التي تمنع من إلحاق الكفر على من فعل هذا الفعل.

وهناك مسألة أخرى في قضيّة الجنسيّة وهي قضيّة (الراية) ، وهذه قليل من يتكلم عليها، إذا أفتى جماعة من أهل اليمن بفتوى بتكفير أصحاب السفن التي تحمل راية دولة أجنبيّة، بعض السفن اليمنيّة من أجل تسهيل المرور ومن أجل عدم هجوم القراصنة عليهم كانوا يرفعون أعلام هولندا أو فرنسا أو البرتغال أو دول من هذه الدول لأجل أن يَأمنوا شرّ الوقوع؛ فأفتى علماء اليمن بكفر أصحاب السفن الذين يرفعون هذه الأعلام؛ لأنهم يعتبرون أنّ هذا الفعل -وهو رفع علم هذ الدولة- هو دخول في دينها، فهو راية وشعار، ولا يجوز للمسلم أن يدخل تحت شعار كافر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت