هنا ندخل في مسألة مهمّة عند أهل السنة والجماعة وهي الفرق بين كفر النوع وكفر العين؛ الحكم بإطلاق على عمل من الأعمال أنّه كفر وأنّ يسمّى الرجل كافرّا، لا لزوم بين هذه وتلك، أي يمكن أن يُسمّى العمل بأنّه كفر ومع ذلك لا يكفّر صاحبه؛ لعوارض أقامها الشارع لمنع إطلاق الكفر على المعيَّن.
الكفر عمل، والعمل قد يكون كفرًا، والقول قد يكون كفرًا، والاعتقاد قد يكون كفرًا، ولكن حتى يكون الرجل كافرًا فلا بد من النظر إلى بعض الأحوال:
هل هو جاهل لهذا الحكم؟ فالجهل مانع من موانع إصدار الحكم الشرعي، وهذا قول أهل السنة والجماعة، وقول جماهير العلماء، لم يخالف فيه إلّا من شذّ من الخوارج والمعتزلة، أمّا أهل السنة فيرون أنّ الجهل مانعٌ من موانع إلحاق الكفر على المعيّن وإن كان القول أو العمل أو الاعتقاد مكفّرًا بذاته. فالأمر الأول أن يكون هذا الرجل جاهلًا بهذا الأمر ولم تقُم عليه الحجّة الرساليّة.
المانع الثاني من موانع إلحاق الكفر على إنسان بعد أن عمل كفرًا هو التأويل، وهو فرع من فروع الجهل، وهذه الموانع نابعة من فهم أهل السنة والجماعة للعمل؛ وأنّ العمل لا يمكن أن يصدر من الإنسان إلا من إرادة وقوة، والإرادة مبعثها العلم، والعلم يعتريه النقص إمّا بالجهل وهو عدم وجود العلم وإمّا بالتأويل؛ والتأويل هو -كما يقول الإمام الشوكاني رحمه الله- أنّ يظنّ غير الدليل دليلًا، فيأتي إلى حديث ضعيف، أو يأتي إلى حديث صحيح ولكن يحمله على غير محمله الصحيح، هذا هو التأويل.
المانع الثالث من موانع إلحاق الكفر هو الإكراه، وهو مانعٌ لامتناع الإرادة، فالعلم ضدّه الجهل والتأويل، والعلم هو جزء من الإرادة، ومن الإرادة كذلك القصد، والإنسان يُمكن أن تُعطّلَ حريّته عن طريق الإكراه، فالمانع الثالث من موانع إلحاق الكفر على المعيّن هو الإكراه. وكلّ مسألة من هذه المسائل فيها تفصيل، ولكن أنا هنا أعدّد بإيجاز.
المانع الرابع عدم القصد؛ لا عدم قصد الكفر ولكن عدم قصد العمل، فقد يكفر الرجل لعملٍ قَصَدَه ولكن لم يقصد الخروج من الإسلام، لأنّ من قصد الخروج من الإسلام كفر سواء عمل أو لم يعمل، فمجرّد قصد الكفر كفر، نيّة الكفر كفر.