وَهذا الذِي أَخْبَرَكَ بهِ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَنَّهُ سَيَنْصُرُ الرُّومَ عَلَى الفُرسِ، هُوَ وَعْدٌ حَقٌّ مِنَ اللهِ تَعَالى، واللهُ لا يُخْلِفُ وَعْدَهُ أَبَداً، لأَنَّ سُنَّتَهُ قَدْ جَرَتْ بأَنْ يَنْصُرَ أَقْرَبَ الطَّائِفَتَيِنِ إِلى الحَقِّ، وَيَجْعَلَ لَهَا العَاقِبَةَ. ولكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ذلِكَ لِجْهْلِهِمْ، وَعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في النَّوامِيسِ التِي وَضَعَهَا اللهُ في الكَوْنِ. وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ إلاَّ بالأُمُورِ الدُّنْيا: كَتَدْبيرِ مَعَايِشِهِمْ، وَتَنْمِيَةِ مَتَاجِرِهِمْ، واسْتِثْمَارِ مَزَارِعِهِمْ .. وَهُمْ غَافِلُونَ عَنْ أُمُورِ الدِّينِ، وما يَنْفَعُهُمْ في الآخِرَةِ، كَأَنَّ أَحَدَهُمْ مُغَفَّلٌ لا عَقْلَ لَهُ. [1]
وقال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30) } [النجم]
فَأَعْرِضْ عَنْ مِثْلِ هؤُلاءِ الذِينَ أَعْرَضُوا عَنِ القُرآنِ وَمَا فِيهِ مِنَ الحَقِّ والهُدَى، وَجَعَلُوا هَمَّهُمُ الدُّنيا وَمَا فِيها مِنْ مُتَعٍ وَمَلَذَّاتٍ، وَاهْجُرْهُمْ وَلاَ تَهْتَمَّ بِمَصِيرِهِمْ. وَذِلكَ الذِي يَتْبَعُونَه في عَقَائِدِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ هُوَ مُنْتَهَى مَا وَصَلُوا إِليهِ مِنَ العِلْمِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُفَكِّرُونَ في شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِ الآخِرَةِ، وَإِنَّما جَعَلُوا الدُّنيا أَكْبَرَ هَمِّهِمْ، وَاللهُ تَعَالى هُوَ الخَالِقُ لِلْخَلْقِ، وَهُوَ العَليمُ بِأَحْوالِهِم وَأَفْعَالِهم وَمَصَالِحهم، وَهُوَ الذِي يَهدي مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ العليمُ بِمَنْ جَعَلَ العَمَلَ لِلآخِرَةِ هَمَّهُ، وَسَعى لَها سَعْيَها، وَمَنْ جَعَلَ الدُّنيا هَمَّهُ، وَسَعَى في طَلَبِها مِنْ كُلِّ بَابٍ، وَسَيَجْزِي كُلَّ وَاحِدٍ بِمَا يَسْتَحِقُّ مِنَ الجَزاءِ. [2] .
وتأمل كيف قرن الله تعالى بين تمكين ذي القرنين في الأرض وبين الأسباب التي أعطاها إياه، فقال تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} [الكهف:84] ،والسبب هو ما يتوصل به إلى نيل الغرض والمقصود، فآتاه الله من كل شيء ما يتوصل به إلى أغراضه وأهدافه من تقوية سلطانه، وإقامة العدل والنظام في الأرض، ومنها الأسباب التي غلب بها الأعداء وفتح بها البلاد وكف بها المفسدين في الأرض، ومنها الأسباب التي مكنته من العمران والبناء، والانتقال إلى مشرق الأرض ومغربها، وغيرها من الأسباب.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:3297،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4692،بترقيم الشاملة آليا)