المبحث الأول
الحكم لله تبارك وتعالى
إن الحكم والتشريع من خصائص الألوهية، ومن نازع الله تعالى في الحكم والتشريع فقد تجاوز حد العبودية، ورام الألوهية، فهو طاغوت، وكلمة طاغوت مشتقة من الطغيان وهو مجاوزة الحد، وكل من آمن بهذا الطاغوت، واتخذه حكما ومشرعا، فقد اتخذه ربا، وعبده من دون الله تعالى، كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31] .
وعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ» ،وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة:31] ،قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» [1]
وأخرج ابن جرير عَنِ السُّدِّيِّ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة:31] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: «لَمْ يَأْمُرُوهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا لَهُمْ، وَلَكِنْ أَمَرُوهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَأَطَاعُوهُمْ، فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ أَرْبَابًا» [2]
و أخرج ابن جرير بإسناده عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال"أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم، ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا أحله الله لهم حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم".
وأخرج ابن جرير بإسناده عن أبي البختري رحمه الله قال"انطلقوا إلى حلال الله فجعلوه حراما، وانطلقوا إلى حرام الله فجعلوه حلالا، فأطاعوهم في ذلك، فجعل الله طاعتهم عبادتهم، ولو قالوا لهم: اعبدونا. لم يفعلوا".
(1) - سنن الترمذي ت شاكر (5/ 278) (3095) حسن
(2) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (11/ 420) فيه انقطاع