مفكرو الإسلام, فإنه عقد حقيقي ثابت, من يوم أن وُجد نظام الخلافة, وكانت بيعة الأمة صورة لتحقيقه.
ومن ناحية أخرى فإن النظرية الإسلامية ليس فيها أفراد تنازلوا عن شيء من حرياتهم وسلطاتهم, وإنما لدينا أمة مكلفة وكلت عنها بعض أفرادها لرعاية صوالحها, وليس في الوكالة تمليك, ولا مظنة تمليك, والبيعة عقد يقيد الحاكم بدستور خاص, ويحدد له حدود مهمته, فإذا التزم شروط العقد فله حق الطاعة على المحكومين, فإذا جاوز ما عين له وخرج على الشرط انعزل من الوكالة, وخرج من العهدة بنفسه, أو بعزل الشعب الذي ولاه. [1]
نحب أن نبين في البدء أن الجميع قد اتفقوا على أن الإمامة العظمى إذا عقدت لشخص, ثم ظهر من هو أفضل منه, فلا يعدل عن الإمام إلى الأفضل, والعلة في ذلك ظاهرة؛ إذ إن ظهور الأفضل محتمل في كل آن, فلو جُوِّز العدول إلى الأفضل, لأدى ذلك إلى حال من عدم استقرار الحكم في الدولة, المؤدي إلى الفوضى, التي لا يرضى عنها الشارع الحكيم, وكذلك لا خلاف بين العلماء في جواز تولية المفضول إذا كانت كلمة الأمة قد اتفقت عليه, ولم ترض بغيره بديلًا, أو كان هناك عذر يمنع تولية الأفضل, كغيبته, أو مرضه, أو كان المفضول أطوع في الناس, وأقرب إلى قلوب الشعب.
واختلف العلماء في حال وجود شخصين توافرت في كل منها الشروط المطلوبة في الإمامة العظمى, إلا أن أحدهما أفضل من الآخر, ولم يحظ المفضول باتفاق الأمة على اختياره, ولم يوجد من الأعذار ما يبرر العدول عن الأفضل إلى المفضول, هل يجوز في هذه الحالة عقد الإمامة له, أي للمفضول حينئذ أم لا يجوز ذلك, ويجب عقد الإمامة للأفضل؟
وقبل أن نذكر الآراء في ذلك, وما استندت إليه هذه الآراء, نرى أن نبين بعض الوجوه التي يمكن أن يفاضل بين اثنين على أساس وجودها, أو عدمها.
(1) - السياسة الشرعية - جامعة المدينة (ص: 530)