ومن الأمثلة على المحاسبة والعدل في المال العام أن يتولى أهل الشورى فرض المال لخليفة المسلمين، وقد تقدم هذا في باب الشورى.
الواجب على ولاة أمر المسلمين أن يحفظوا أموال المسلمين العامة من الضياع، وأن لا يخونوا أماناتهم بالتعدي عليها، أو التفريط في حفظها، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال:27]
يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِأَنْ لاَ يَخُونُوا اللهَ بِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ، وَأَنْ يَخُونُوا رَسُولَهُ بِتَرْكِ سُنَنِهِ، وَارْتِكَابِ مَعْصِيَتِهِ، وَأنْ لاَ يَخُونُوا أَمَانَاتِهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ التِي ائْتَمَنَ اللهُ العِبَادَ عَلَيهَا: يَعْنِي الفَرَائِضَ، وَهِيَ تَشْمَلُ أَمَانَةَ الإِنْسَانِ نَحْوَ النَّاسِ فِي تَعَامُلِهِ مَعَهُمْ: كَالمِكْيَالِ وَالمِيْزَانِ، وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِالحَقِّ وَالصِّدْقِ، وَكِتْمَانِ السِّرِّ .. إلخ. فَالأَمَانَةُ وَاحِدَةُ وَلاَ تَبْعِيضَ فِيهَا، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ مَسَاوِىَء الخِيَانَةِ، وَسُوءَ عَاقِبَتِهَا. [1]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ"متفقٌ عليه [2] .
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1188،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - صحيح البخاري (3/ 180) (2682) وصحيح مسلم (1/ 78) 107 - (59)
اعلم أولاً أن النفاق نوعان: نفاق اعتقادي يخرج صاحبه عن الإيمان وهو إظهار الإِسلام وإخفاء الكفر ونفاق عملي: وهو التشبه بالمنافقين في أخلاقهم، وهذا لا يخرج صاحبه عن الإيمان، إلاّ أنه كبيرة.
وقد تحدث النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث عن النفاق العملي وبين لنا العلامات المميزة له فقال:"آية المنافق ثلاث"أي من علامات النفاق العملي التي تدل على أن صاحبها يشبه المنافقين في أعمالهم وأخلاقهم أن توجد في المرء هذه الخصال الثلاث أو بعضها: الخصلة الأولى:"إذا حدث كذب"أي أن يشتهر ذلك الإنسان بالكذب في الحديث عامداً متعمداً، فلا يخبرك بشيء إلا تعمد إخفاء الحقيقة والإِخبار بخلاف الواقع الذي يعتقده تضليلاً وتمويهاً وخداعاً. الخصلة الثانية:"إذا وعد أخلف"أي أن يشتهر بخلف الوعد عمداً، بحيث إذا وعد بشيء تعمد الخلف، وعزم عليه في نفسه مسبقاً، وصمم من أول الأمر على عدم الوفاء به. الخصلة الثالثة:"إذا ائتمنٍ خان"أي أن يشتهر بالخيانة بين الناس، فلا يثق به أحد، لأنه إذا أودع سراً أفشاه، وإذا أودع مالاً تصرف فيه خلاف الوجه الشرعي المطلوب منه، وإذا استشير لم ينصح في مشورته، وإذا عهد إليه بعمل لم يؤده.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الكذب نفاق عملي وخصله من خصال المنافقين، وكبيرة من الكبائر، وهو في الأصل الإِخبار بخلاف الواقع، إلا أنه لا يكون كبيرة إلا إذا خالف ما يعتقده صاحبه، أما إذا تحدث بما يعتقده ثم ظهر الواقع خلافه فلا إثم عليه لأنه لا تكليف إلا بعلم. ثانياً: أن خلف الوعد من النفاق، وكبيرة من الكبائر، بشرطين: الأول: أن يكون وعد خير، فإن كان وعد شر. فإن خُلْفَه واجب أو مستحب، وليس من النفاق في شيء، بل هو برٌّ وطاعة. والثاني: أن يكون قد عزم على الخلف مسبقاً، أما إذا نوى الوفاء وحال دونه عذر شرعي فلا شيء عليه. ثالثاً: أن الخيانة من الكبائر ومن أخلاق المنافقين سواء كانت في سر أو وديعة أو وظيفة، وسواء كانت في حق من حقوق الله، أو من حقوق العباد. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (1/ 119)