فهرس الكتاب

الصفحة 709 من 1902

وعَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى:39] قَالَ: «يَنْتَصِرُونَ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَدُوا» وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَوْلَى فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْصُصْ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى، بَلْ حَمِدَ كُلَّ مُنْتَصِرٍ بِحَقٍّ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا فِي الِانْتِصَارِ مِنَ الْمَدْحِ؟ قِيلَ: إِنَّ فِي إِقَامَةِ الظَّالِمِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَعُقُوبَتِهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ تَقْوِيمًا لَهُ، وَفِي ذَلِكَ أَعْظَمُ الْمَدْحِ" [1] وهذه الصفات والأخلاق التي مدحهم الله بها تتضمن جميع صفات الخير والصلاح، فمن قام بها فقد قام بسائر شعائر الإسلام، فإن هذه الأوصاف كالقواعد والأصول العامة التي تتضمن جميع الأعمال الصالحة والسياسات الشرعية."

وقد ذكر الله تعالى الشورى بين ركني الصلاة والزكاة في قوله تبارك وتعالى: {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى:38] فكما أن المؤمنين يحافظون على الصلاة ويؤدون الزكاة فكذلك من وصفهم وخلقهم الدائم الذي لا ينفكون عنه أنهم يتشاورون في أمورهم.

كما أن في الشورى تتحقق المصالح الشرعية ويقام العدل، وتدفع المفاسد والمظالم والاستبداد بالحكم، فإذا كانت هذه الواجبات من تحقيق المصالح، ودفع المفاسد والمظالم، لا تتحقق بتمامها إلا بشورى، فهذا يقتضي أن تكون الشورى واجبة فإن"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

أولا: أن الشورى عبادة لله تعالى والقائمون بها مطيعون لله تعالى ومستجيبون لأمره بالعمل بها.

ثانيا: أن الشورى يحصل بها سداد رأي والتوصل إلى الحق والصواب، والبعد عن الخطأ فهي من الحزم وهو كما قال ابن عطية:"جودة النظر في الأمر وتنقيحه، والحذر من الخطأ فيه" [2] ،ثم إذا اختار الإمام ما ترجح عنده من الآراء بعد المشورة فعليه أن يعزم على فعله متوكلا على الله

(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (20/ 524)

(2) - تفسير القرطبي (4/ 252)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت