أَوْضَحُ آيَةٍ فِي الْإِرْشَادِ إِلَى مَعْنَى التَّوَكُّلِ الَّذِي حَرَّفَ الْقَاصِرُونَ وَمَنْ كَانَ عَلَى شَاكِلَتِهِمْ مَعْنَاهُ، فَأَفْسَدُوا هَذَا الدِّينَ مِنْ مَبْنَاهُ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ لِأَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَامَةُ صِدْقِ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ مُلَاحَظَةُ عَظَمَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، وَاعْتِقَادُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَعَدَمُ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ وَهَذَا، أَدَبٌ عَظِيمٌ مَعَ الْخَالِقِ يَدُلُّ عَلَى مَحَبَّةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ فَلِذَلِكَ أحبّه الله. [1]
فقد وصف الله تعالى عباده المؤمنين ومدحهم بالأعمال والأقوال والأخلاق التي نالوا بها الأجر الجزيل والنعيم المقيم عند الله، فوصفهم بالإيمان والتوكل على الله في سائر أمورهم فلا يعتمدون على غيره ولا يبتغون النصر والعزة والرزق من سواه، ووصفهم باجتناب كبائر الإثم والفواحش ومدحهم بحسن الخلق والحلم عند الغضب والصفح عن المسيء، ووصفهم بالاستجابة لأمر الله والانقياد لحكمه، والتسليم لشرعه، ووصفهم بإقامة الصلاة من فرائض ونوافل، ومدحهم بأن أمورهم الدينية والدنيوية التي للشورى فيها مجال يتشاورون فيها وينفذونها عن مشورة بينهم، ولا يستبد أحد منهم بالأمر من غير مشاورة، قال الزجاج رحمه الله"المعنى أنهم لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه".
ووصفهم بالإنفاق مما رزقهم الله ويدخل في هذا الزكاة والنفقات الواجبة في سبيل الله وعلى الأقارب وغيرهم والنفقات المستحبة، ووصفهم بالقوة والانتصار ممن ظلمهم فلا يقبلون أن يظلموا ويستذلوا، فإذا بغي عليهم انتصروا بحق ممن بغى عليهم وقوموه وعاقبوه بما يستحق من العقوبة، قال ابن كثير رحمه الله"أَيْ: فِيهِمْ قُوَّةُ الِانْتِصَارِ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ، لَيْسُوا بِعَاجِزِينَ وَلَا أَذِلَّةٍ، بَلْ يَقْدِرُونَ عَلَى الِانْتِقَامِ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مع هذا إذا قدروا وعفوا" [2] ،وعَن إِبْرَاهِيم فِي قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى:39] ،قَالَ: كَانُوا يكْرهُونَ للْمُؤْمِنين أَن يستذلوا، فيجترئ عَلَيْهِم الْفُسَّاق. [3]
(1) - التحرير والتنوير (4/ 147)
(2) - تفسير ابن كثير ت سلامة (7/ 211)
(3) - شرح السنة للبغوي (13/ 165)