وأما من دخل فيه ديانةً كما يدخل الرجل في الجهاد باذلاً نفسَه وماله، فهذا هو الذي يعدُّ اعتقاده .... [1] أدفعَ ما فيها من الفتنة في الدين إلا من عصم اللهُ، والمضرةُ في ادلنيا إلا لمن أيَّدهُ الله تعالى.
ولا بد لهم -فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ- مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ، كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ لَا يَصْلُحُ إلَّا بِرَأْسٍ. قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام:165] .وَقَالَ تَعَالَى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزخرف:32] .فَلذلك جَاءَتْ الشَّرِيعَةُ بجعلِ السُّلْطَانِ وَالْمَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تعالى عوناً على دينِ الله تعالى. فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِالسُّلْطَانِ وَالْمَالِ هُوَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ وَإِنْفَاقَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِهِ، كَانَ ذَلِكَ صَلَاحَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. وَإِنْ انْفَرَدَ السُّلْطَانُ عَنِ الدِّينِ، أَوْ الدِّينُ عَنِ السُّلْطَانِ فَسَدَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ في الأموالِ." [2] "
وعَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الرَّجُلِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» رواه الترمذي [3]
أي أن الحرص على المال والشرف وهو الجاه أشد إفسادا لدين المرء من الذئبين الجائعين أرسلا في غنم، وقَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ الزَّاهِدَ فِي شَيْءٍ أَقَلَّ مِنْهُ فِي الرِّيَاسَةِ، تَرَى الرَّجُلَ يَزْهَدُ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَالِ وَالثِّيَابِ، فَإِذَا نُوزِعَ فِي الرِّيَاسَةِ حَامَى عَلَيْهَا وَعَادَى» [4] .
(1) - هناك سقط
(2) - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ط2 (ص:255)
(3) - السنن الكبرى للنسائي (10/ 386) (11796) وصحيح ابن حبان - مخرجا (8/ 24) (3228) ومسند أحمد ط الرسالة (25/ 85) (15794) ومصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (19/ 100) (35521) صحيح
(4) - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/ 39)