فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 1902

هَذَا لاَ يَحِلُّ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ»،فَتَكَلَّمَتْ، فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «امْرُؤٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ» ،قَالَتْ: أَيُّ المُهَاجِرِينَ؟ قَالَ: «مِنْ قُرَيْشٍ» ،قَالَتْ: مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ أَنْتَ؟ قَالَ: «إِنَّكِ لَسَئُولٌ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ» ،قَالَتْ: مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الأَمْرِ الصَّالِحِ الَّذِي جَاءَ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: «بَقَاؤُكُمْ عَلَيْهِ مَا اسْتَقَامَتْ بِكُمْ أَئِمَّتُكُمْ» ،قَالَتْ: وَمَا الأَئِمَّةُ؟ قَالَ: «أَمَا كَانَ لِقَوْمِكِ رُءُوسٌ وَأَشْرَافٌ، يَأْمُرُونَهُمْ فَيُطِيعُونَهُمْ؟» قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: «فَهُمْ أُولَئِكِ عَلَى النَّاسِ» [1]

وفي السنن الكبرى للبيهقي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عِنْدَ مَوْتِهِ:"اعْلَمُوا أَنَّ النَّاسَ لَنْ يَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا اسْتَقَامَتْ لَهُمْ وُلَاتُهُمْ وَهُدَاتُهُمْ" [2]

وعَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: إِذَا كَانَ وَالِي الْقَوْمِ خَيْرًا مِنْهُمْ لَمْ يَزَالُوا فِي عَلْيَاءَ، وَإِذَا كَانَ وَالِيهُمْ شَرًّا مِنْهُمْ أَوْ قَالَ شَرُّهُمْ لَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا سفالا" [3] "

الشرط الرابع: أن يكون الخليفة من صميم قريش

أن يكون الخليفة من صميم قريش، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَلَغَ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ عِنْدَهُ فِي وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ، فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ، فَقَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلاَ تُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَالأَمَانِيَّ الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ «إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لاَ يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ، إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ» رواه البخاري [4] .

(1) - صحيح البخاري (5/ 42) (3834)

(أحمس) اسم قبيلة. (مصمتة) صامتة ساكنة. (هذا) ترك الكلام. (لسؤول) كثيرة السؤال. (الأمر الصالح) الإسلام وما فيه من العدل ومكارم الأخلاق]

(2) - السنن الكبرى للبيهقي (8/ 281) (16651) صحيح

(3) - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (21/ 287) فيه انقطاع

(4) - صحيح البخاري (4/ 179) (3500)

(الأماني) جمع أمنية وهي ما يؤمله الإنسان ويرغب أن يحصل له في مستقبل الأيام. (الأمر) الخلافة والإمارة. (كبه الله) أذله وخذله وألقاه منكوسا في جهنم. (ما أقاموا الدين) أي تجب طاعتهم وعدم منازعتهم طالما أنهم يقيمون شرع الله عز وجل ويلتزمون حدوده فإن قصروا في ذلك أو تجاوزوه جازت منازعتهم وسقطت طاعتهم]

(إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ) أَيْ: أَمْرَ الْإِمَارَةِ (فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ) ،أَيْ: لَا يُخَالِفُهُمْ (إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ) أَيْ: أَسْقَطَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ (عَلَى وَجْهِهِ) :وَالْمَعْنَى أَذَلَّهُ وَأَهَانَهُ (مَا أَقَامُوا) ،أَيْ: قُرَيْشٌ (الدِّينَ) ،أَيْ: أَحْكَامَ دِينِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ مَا: مَصْدَرِيَّةٌ وَالْوَقْتُ مُقَدَّرٌ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: كَبَّهُ اللَّهُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ؟ مُدَّةَ مُحَافَظَتِهِمْ عَلَى الدِّينِ وَأَهْلِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الصَّلَاةُ لِرِوَايَةِ: مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ، لَكِنْ عَلَى هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى إِذَا عُلِّقَ قَوْلُهُ: مَا أَقَامُوا بِكَبِّهِ إِلَّا بِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقِمِ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُصْرَفْ عَنْهُ الْأَمْرُ، كَذَا قَالَهُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اخْتِصَاصِ الْإِمَامَةِ بِقُرَيْشٍ، وَهُمْ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَجَمِيعُ بُطُونِهَا فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِمْ مَنْ هُوَ جَامِعٌ لِأَوَامِرِ الْمُلْكِ وَالدِّينِ وَصَالِحٌ لِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ، قَالَ الْمُظْهِرِيُّ: الْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ وَلَا يُخَالِفُهُمْ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَذَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، مَا دَامُوا يُحَافِظُونَ الدِّينَ اه كَلَامُهُ.

وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ: مَا أَقَامُوا الدِّينَ إِذَا عُلِّقَ بِكَبِّهِ يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى إِذَا حُمِلَ الدِّينُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَأَمَّا إِذَا حُمِلَ عَلَى الدِّينِ بِأُصُولِهِ وَتَوَابِعِهَا. فَلَا، لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ غَيَّرَ وَبَدَّلَ وَلَمْ يُصْرَفْ عَنْهُ الْأَمْرُ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يُخَالِفُ قُرَيْشًا أَحَدٌ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ فِي الدِّينِ بِأَنْ أَرَادُوا نَقْضَهُ وَبُطْلَانَهُ، وَقُرَيْشٌ تُرِيدُ إِقَامَتَهُ وَإِمْضَاءَهُ إِلَّا أَذَلَّهُ اللَّهُ وَقَهَرَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاللَّفْظُ لَا يُسَاعِدُ إِلَّا مَا عَلَيْهِ لِيَظْهَرَ وَهُوَ أَظْهَرُ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ الدِّينُ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِهَا لِأَنَّهَا عِمَادُ الدِّينِ، وَلِكَوْنِهَا أُمُّ الْعِبَادَاتِ، وَأَنَّهَا تَنْهَى عَنِ السَّيِّئَاتِ أَوْ ذَكَرَهَا عَلَى مِنْوَالِ الْمِثَالِ أَيِ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3863)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت