الْأَغْيَارِ. وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم: «قَيِّدْ وَتَوَكَّلْ» ،إِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ التَّوَكُّلَ؛ لِئَلَّا تَفُوتَهُ فَائِتَةٌ، وَكَانَ تَوَكُّلُهُ لِتَحَرُّزٍ مِنَ الْآفَةِ لَا سُكُونٍ إِلَى الْمُقَدَّرِ، فَاحْتَاطَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالتَّحَرُّزِ، فَقَالَ: قَيِّدْ لِتَبْلُغَ الْعُذْرَ فِي التَّحَرُّزِ، وَتَوَكَّلْ لِئَلَّا تُؤْتَى إِنْ أُتِيتَ مِنْ جِهَةِ الْخِلَافِ، وَهُوَ أَنْ تُرَدَّ إِلَى فِعْلِكَ وَتَحَرُّزِكَ، فَيَكُونَ قَدْ أَحْكَمْتَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَكَذَا الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْتَشَارٍ أَنْ يَحْتَاطَ إِلَى الْمُسْتَشِيرِ، وَيَدُلَّ عَلَى أَحْكَمِ الْأُمُورِ، وَأَوْثَقِ الْأَسْبَابِ، وَأَبْعَدِهَا عَنْ مَوَاضِعِ التَّلَفِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَشِيرَ طَالِبٌ لِلْأَرْفَقِ بِهِ مُؤْثِرٌ لَهُ، خَائِفٌ مِنْ ضِدِّهِ، لَمْ يَسْتَكْمِلْ قُوَّةَ التَّوَكُّلِ وَالسُّكُونِ إِلَى مَا قُدِّرَ لَهُ، فَهُوَ كَالْمُضْطَرِبِ فِيهِ. أَلَا يَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» [1] ،وَقَالَ لِبِلَالٍ: «أَنْفِقْ بِلَالُ، وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا» [2] ،وَقَالَ لَهُ لَمَّا خَبَّأَ لَهُ شَيْئًا: «أَمَا تَخْشَى أَنْ يُخْسَفَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» [3] ،وَكَانَ خَبَّأَ لَهُ شَيْئًا مِنْ تَمْرٍ؛ لِأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ مُسْتَكْمِلَ التَّوَكُّلِ سَاكِنًا إِلَى مَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرَ مُضْطَرِبٍ فِيهِ، وَلَا مُلْتَفِتٍ إِلَى نَفْسِهِ، بَلْ كَانَ نَظَرُهُ إِلَى مَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ رِفْقُهُ أَوْ غَيْرُهُ، وَعَلِمَ مِنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مَيْلًا إِلَى رِفْقِهِ وَإِيثَارًا لِحَظِّهِ، فَقَالَ لَهُ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ» لِئَلَّا يَضْطَرِبَ سِرُّهُ، وَكَذَلِكَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ حِينَ قَالَ: أُقَيِّدُ وَأَتَوَكَّلُ، كَأَنَّهُ قَالَ: بِأَيِّهِمَا أَحْتَاطُ لِنَفْسِي بِالْقَيْدِ أَوْ بِالتَّوَكُّلِ؟ فَقَالَ: بِكِلَا الْأَمْرَيْنِ لِيَتِمَّ سُكُونُكَ، وَلَا يَضْطَرِبَ سِرُّكَ" [4] "
وأما تعطيل أسباب بناء الدولة ووسائل القوة فهو من الجهل والضلال عن هدي القرآن وسنة خير المرسلين عليه الصلاة والسلام.
والآية تعم كل سبب مشروع يوصل إلى المقاصد الشرعية العظيمة، فإن الأمة مأمورة بتحصيله والتوصل به إلى إقامة دولة الإسلام في الأرض وتقويتها، وحمل رسالة الإسلام وإبلاغها للعالم، والجهاد في سبيل الله وغيرها من المقاصد الشرعية.
(1) - صحيح البخاري (4/(2757)
(2) - شعب الإيمان (2/ 483) (1283) صحيح
(3) - معجم ابن عساكر (1/ 285) (335) حسن لغيره
(4) - بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذي (ص:128) - زياة مني