إِلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي مَاذَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: فَوَاتُ حَظِّهِ، أَوْ إِصَابَتُهُ فَأَمَّا مَنْ تَوَكَّلَ لِتَحَرُّزٍ مِنْ فَوْتِ مَا عِنْدَهُ أَوْ نَيْلِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ فَلَيْسَ بِمُتَوَكِّلٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، أَوْ قَدْ يَجُوزُ فِي قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى فَوْتُ مَا عِنْدَهُ، وَحِرْمَانُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَلَا مَرَدَّ لِقَضَاءِ اللَّهِ، وَلَا رَادَّ لِحُكْمِهِ، فَسَوَاءٌ تَوَكَّلَ أَوْ تَمَسَّكَ بِالسَّبَبِ، وَاخْتَلَطَ فِي الطَّلَبِ، أَلَا يَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَوْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمُ اللَّهُ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَعُودُ بِطَانًا» [1] .،وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّيْرَ لَا تَوَكُّلَ لَهَا، وَلَكِنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَى فَوَاتٍ أَوْ نَيْلٍ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إِلَى الْأَسْبَابِ وَلَا مُتَعَلِّقِينَ بِهَا، وَلَا مُضْطَرِّينَ فِيمَا تُكِفِّلَ لَكُمْ مِنْ أَرْزَاقِكُمْ لَأَدْرَكْتُمْ مَا قُسِمَ لَكُمْ مِنْ غَيْرِ حَرْثٍ، وَلَا زَرْعٍ، وَلَا تَكَلُّفٍ، فَأَمَّا التَّحَرُّزُ لِدَفْعِ الْمَضَارِّ وَالْمَكَارِهِ وَحِفْظِ الْحُظُوظِ وَنَيْلِهَا، فَإِنَّهَا مَأْذُونٌ فِيهَا غَيْرُ مَدْعُوٍّ إِلَيْهَا، إِلَّا مَا كَانَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْأَغْيَارِ، وَصَوْنًا لِلدِّينِ الْوَطَنِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي صِفَةِ السَّابِقِينَ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْوُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» [2] وَقَدْ رَقَى رَسُوُل الْلَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَعَلَّمَ الْمَعَاوِذَ، وَكَوَى سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَلُومُنَّ فِي أَبِي أُمَامَةَ» يَعْنِي سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ فَكَوَاهُ، يَعْنِي: لَأُعْزَرَنَّ فِيهِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ التَّوَكُّلَ رَفْضُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّ الرُّقَى وَالْكَيَّ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلَانِ رَجَاءَ الْعَافِيَةِ، وَالْمُتَوَكِّلُ لَا يُبَالِي بِالْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا يَخْتَارُ مَا يَكُونُ مَا لَا يُرِيدُ، وَيَكُونُ سُكُونُهُ إِلَى مَا سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ صِحَّةٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ نَيْلٍ، أَوْ فَوَاتٍ، فَإِنَّهَا الْأَسْبَابُ الَّتِي جَاءَ التَّرْغِيبُ فِيهَا مِنَ الْمَكَاسِبِ وَالْحِرَفِ وَالتِّجَارَاتِ، فَعَلَى شَرْطِ التَّعَاوُنِ نَصَحَ، وَالْمُتَوَكِّلُ يَفْعَلُ هَذِهِ كُلَّهَا لَا يَجْتَرُّ بِهَا نَفْعًا إِلَى نَفْسِهِ، لَكِنْ لِيَنْفَعَ الْأَغْيَارَ، وَيَصُونَ بِهِ عِرْضَهُ وَدِينَهُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا اسْتِعْفَافًا عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَسَعْيًا عَلَى عِيَالِهِ، وَتَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَمَنْ طَلَبَهَا حَلَالًا مُكَاثِرًا مُفَاخِرًا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» [3] فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ تَنَاوُلَ الْأَسْبَابِ لِصَوْنِ الدِّينِ وَالْعِرْضِ، وَنَفْعِ الْغَيْرِ، فَأَمَّا مَا يُتَحَرَّزُ بِهِ مِنَ الْآفَاتِ فَهُوَ غَيْرُ مُعَوَّلٍ إِلَيْهَا إِلَّا أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهَا إِلَّا مَا يُتَحَرَّزُ بِهِ مِنْ آفَاتِ
(1) - صحيح ابن حبان - مخرجا (2/ 509) (730) صحيح
(2) - صحيح مسلم (1/ 199) 374 - (220)
(3) - شعب الإيمان (13/ 17) (9889) حسن لغيره