وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ عَيْنٍ وَلَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ، خِلاَفًا لاِبْنِ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، الَّذِي ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ. [1]
يجب على ولاة الأمر أن يأمروا الناس بالصلاة، وأن يأمروا الرجال خاصة بأدائها جماعة، وينكروا على من ترك الجماعة، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ، قَالَ: فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"مَا حَبَسَكَ يَا فُلَانُ عَنِ الصَّلَاةِ؟"قَالَ: فَذَكَرَ شَيْئًا اعْتَلَّ بِهِ، قَالَ: فَقَامَ يُصَلِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ"قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَصَلَّى مَعَهُ"رواه أحمد [2] ."
وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا الصُّبْحَ، فَقَالَ: أَشَاهِدٌ فُلَانٌ، قَالُوا: لَا، قَالَ: أَشَاهِدٌ فُلَانٌ، قَالُوا: لَا، قَالَ: «إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَيْتُمُوهُمَا، وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الرُّكَبِ وَإِنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَتُهُ لَابْتَدَرْتُمُوهُ، وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» رواه ابن حبان [3] .
(1) - الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (27/ 165)
(2) - مسند أحمد ط الرسالة (18/ 327) (11808) صحيح لغيره إلا جملة"مَا حَبَسَكَ يَا فُلَانُ عَنِ الصَّلَاةِ"فهي ضعيفة
(3) - سنن أبي داود (1/ 152) (554) وصحيح ابن حبان - مخرجا (5/ 405) (2056) ومعجم ابن الأعرابي (2/ 489) (948) والمنتخب من مسند عبد بن حميد ت مصطفى العدوي (1/ 183) (173) حسن
إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ) أَيْ: صَلَاةَ الصُّبْحِ وَمُقَابِلَتَهَا بِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ، يَعْنِي الصُّبْحَ وَالْعِشَاءَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَشَارَ إِلَى الْعِشَاءِ لِحُضُورِهَا بِالْقُوَّةِ؛ لِأَنَّ الصُّبْحَ مُذَكِّرَةٌ بِهَا نَظَرًا إِلَى أَنَّ هَذِهِ مُبْتَدَأُ النَّوْمِ وَتِلْكَ مُنْتَهَاهُ اهـ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِهَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فَرْضُ الصُّبْحِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، أَوْ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ مِنَ السُّنَّةِ وَالْفَجْرِ (أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ) :لِغَلَبَةِ الْكَسَلِ فِيهِمَا، وَلِقِلَّةِ تَحْصِيلِ الرِّيَاءِ لَهُمَا (وَلَوْ تَعْلَمُونَ) :أَنْتُمْ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ (مَا فِيهِمَا) :مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ الزَّائِدِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ، وَفِي الْعُدُولِ عَنِ الْغَيْبَةِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَغْلِيبًا (لَأَتَيْتُمُوهَا وَلَوْ حَبْوًا) أَيْ: زَحْفًا وَمَشْيًا (عَلَى الرُّكَبِ) :قَالَ الطِّيبِيُّ: حَبْوًا خَبَرُ كَانَ الْمَحْذُوفَةِ، أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْإِتْيَانُ حَبْوًا وَهُوَ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ أَوْ إِسْتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَلَوْ أَتَيْتُمُوهُمَا حَبْوًا، أَيْ حَابِينَ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً (وَإِنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ) أَيْ: فِي الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبُعْدِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ) :وَقَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ فِي قُرْبِهِمْ مِنَ الْإِمَامِ بِصَفِّ الْمَلَائِكَةِ فِي قُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرُ إِنَّ، وَالْمُتَعَلِّقُ كَائِنٌ أَوْ مُقَاسٌ، (وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَتُهُ) أَيْ: الصَّفُّ الْأَوَّلُ (لَابْتَدَرْتُمُوهُ) أَيْ: سَبَقْتُمْ إِلَيْهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي قَوْلِهِ:"وَلَوْ تَعْلَمُونَ"فِيهِمَا مُبَالَغَةٌ مِنْ حَيْثُ عَدَلَ مِنَ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِعِ إِشْعَارًا بِالِاسْتِمْرَارِ، ذَكَرَ أَوَّلًا فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ تَنَزَّلَ مِنْهُ إِلَى بَيَانِ فَضِيلَةِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ إِلَى بَيَانِ كَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ) :إِلَخْ. لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا تَرَقٍّ لَا تَنَزُّلٌ (أَزْكَى) أَيْ: أَكْثَرُ ثَوَابًا (مِنْ صِلَاتِهِ وَحْدَهُ) :قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنَ الزَّكَاةِ بِمَعْنَى النُّمُوِّ، أَوِ الشَّخْصُ آمِنٌ مِنْ رِجْسِ الشَّيْطَانِ وَتَسْوِيلِهِ مِنَ الزَّكَاةِ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ. (وَصَلَاتَهُ) :بِالنَّصْبِ أَوْ بِالرَّفْعِ (مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى) أَيْ: أَفْضَلُ (مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ) أَيِ: الْوَاحِدِ (وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ) :قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ:"مَا"هَذِهِ مَوْصُولَةٌ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَيْهَا وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الصَّلَاةِ، أَيْ: الصَّلَاةُ الَّتِي كَثُرَ الْمُصَلُّونَ فِيهَا فَهُوَ أَحَبُّ، وَتَذْكِيرُ (هُوَ) بِاعْتِبَارِ لَفْظِ مَا، انْتَهَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَكُلُّ مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ كَثُرَ فِيهِ الْمُصَلُّونَ، فَذَلِكَ الْمَوْضِعُ أَفْضَلُ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: الصَّلَاةُ فِي الْجَامِعِ أَفْضَلُ، ثُمَّ فِي مَسْجِدِ الْحَيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ حِينَ يُنَادَى بِهِنَّ» .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 838)