وعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} [التوبة:31] قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْعَالِيَةِ: كَيْفَ كَانَتِ الرُّبُوبِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ قَالُوا:"مَا أَمَرُونَا بِهِ ائْتَمَرْنَا، وَمَا نَهَوْنَا عَنَّا انْتَهَيْنَا، لِقَوْلِهِمْ: وَهُمْ يَجِدُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا أُمِرُوا بِهِ وَمَا نُهُوا عَنْهُ، فَاسْتَنْصَحُوا الرِّجَالَ، وَنَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ". [1]
وعَنْ حُذَيْفَةَ:" {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة:31] قَالَ: لَمْ يعَبُدُوهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي الْمَعَاصِي" [2]
وهذه الآية كقوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64]
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: {وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران:64] يَقُولُ:"لَا يُطِعْ بَعْضُنَا بَعْضًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَيُقَالُ: إِنَّ تِلْكَ الرُّبُوبِيَّةَ أَنْ يُطِيعَ النَّاسُ سَادَتَهُمْ وَقَادَتَهُمْ فِي غَيْرِ عُبَادَةٍ إِنْ لَمْ يُصَلُّوا لَهُمْ"وَقَالَ آخَرُونَ: اتِّخَاذُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أَرْبَابًا: سُجُودُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ" [3] "
فكانت عبادتهم لهم باتباعهم في التشريع، وهو التحريم والتحليل، وقد قرن الله تعالى من اتخذ الأحبار والرهبان أربابا مشرعين، بمن اتخذ المسيح عليه السلام ربا، فكما أن من عبد المسيح، فقد اتخذه ربا، وكفر بالله العظيم، فكذلك من اتخذ غير الله مشرعا، فقد اتخذه ربا وعبده من دون الله، وكفر كفرا يخرج من الملة.
والآية الكريمة تشير إلى أن الشرك في التشريع، والتحاكم إلى غيرالله، من سجايا اليهود والنصارى القديمة، التي لا تزال باقية، ولكن زادوا صورا وأشكالا جديدة من التحاكم إلى غير الله تعالى, كالتحاكم إلى قوانينهم، ومحاكمهم الكفرية، وإلى برلماناتهم، وهيئاتهم المحلية والدولية كهيئة الأمم المتحدة، وغيرها من الصور والأشكال، التي تجتمع في حقيقة واحدة، وهي رجوعهم إليها في الحكم والتشريع، وأنها أصبحت أربابا تعبد من دون الله تعالى.
(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (11/ 420) صحيح
(2) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (11/ 420) صحيح لغيره
(3) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (5/ 479) صحيح