فمن تحاكم إلى غير الله تعالى، واتخذ غير الله حكما ومشرعا، فقد أشرك بالله شركا أكبر يخرج من ارتكبه من الإسلام، كما قال تعالى: {مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف:26] ،وفي قراءة: {وَلاَ تُشْرِك فِي حُكْمِهِ أَحَداً} ،بصيغة النهي عن الإشراك بالله تعالى في الحكم والتشريع، وهذه الآية كقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110] ،فالشرك في التشريع والتحاكم هو من الشرك في العبادة، فإن التحاكم من العبادة، كما قال تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف:40] .
وقال تبارك وتعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام:121] [1] ،أي إذا أطعتم المشركين في حل أكل الميتة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ،فتأمل هذه الآية، فقد حكم الله تعالى عليهم بأنهم مشركون إذا أطاعوا المشركين في مسألة واحدة، فكيف بمن تحاكم إلى غير الله كالقوانين، أو الهيئات، أو غيرها، في جميع شؤون الحياة أو بعضها، وكيف بمن اتخذ نفسه مشرعا، وحكّم القوانين الوضعية في البلاد، وألزم الناس بها، وحماها ودافع عنها بجنده وإعلامه، فإذا حكم الله تعالى على من أطاع المشركين في مسألة واحدة بالشرك، فالحكم على الحكام المبدلين لشرع الله بالكفر والشرك, والخروج من الإسلام من باب أولى. وهذه المسألة من مسائل الإجماع، والأدلة عليها واضحة وصريحة، ولا يتعامى عنها إلا من أعمى الله بصيرته وصرفه عن الحق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله"وَالْإِنْسَانُ مَتَى حَلَّلَ الْحَرَامَ - الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ - أَوْ حَرَّمَ الْحَلَالَ - الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ - أَوْ بَدَّلَ الشَّرْعَ - الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ - كَانَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ." [2] .
(1) - فَإِنْ أَطَعْتُمُ المُشْرِكِينَ فِي أَكْلِ المَيْتَةِ فَإِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ، لأَنَّكُمْ تَكُونُونَ قَدْ عَدَلْتُمْ عَنْ شَرْعِ اللهِ وَأَمْرِهِ، إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ، فَقَدَّمْتُمْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ. أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:911،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - مجموع الفتاوى (3/ 267)