وقال ابن كثير رحمه الله:"فمنْ ترك الشّرْع الْمُحْكم الْمُنزّل على مُحمّدِ بْنِ عبْدِ اللّهِ خاتمِ الْأنْبِياءِ، وتحاكم إِلى غيْرِهِ مِن الشّرائِعِ الْمنْسُوخةِ كفر، فكيْف بِمنْ تحاكم إِلى"الْياساقِ"وقدّمها عليْهِ؟ منْ فعل ذلِك كفر بِإِجْماعِ الْمُسْلِمِين. قال اللّهُ تعالى: {أفحُكْم الْجاهِلِيّةِ يبْغُون ومنْ أحْسنُ مِن اللّهِ حُكْمًا لِقوْمٍ يُوقِنُون} [المائدة:50] "الْمائِدةِ:".وقال تعالى: {فلا وربِّك لا يُؤْمِنُون حتّى يُحكِّمُوك فِيما شجر بيْنهُمْ ثُمّ لا يجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ حرجًا مِمّا قضيْت ويُسلِّمُوا تسْلِيمًا} [النساء:65] " [1] .
وقال العلامة الشنقطي رحمه الله عند قوله - تعالى:وما اخْتلفْتُمْ فِيهِ مِنْ شيْءٍ فحُكْمُهُ إِلى اللّهِ. ما دلّتْ عليْهِ هذِهِ الْآيةُ الْكرِيمةُ مِنْ أنّ ما اخْتلف فِيهِ النّاسُ مِن الْأحْكامِ فحُكْمُهُ إِلى اللّهِ وحْدهُ، لا إِلى غيْرِهِ - جاء مُوضّحًا فِي آياتٍ كثِيرةٍ. فالْإِشْراكُ بِاللّهِ فِي حُكْمِهِ كالْإِشْراكِ بِهِ فِي عِبادتِهِ، قال فِي حُكْمِهِ: ولا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أحدًا [18\ 26] .وفِي قِراءةِ ابْنِ عامِرٍ مِن السّبْعةِ ولا تُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أحدًا بِصِيغةِ النّهْيِ.
وقال فِي الْإِشْراكِ بِهِ فِي عِبادتِهِ: فمنْ كان يرْجُوا لِقاء ربِّهِ فلْيعْملْ عملًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادةِ ربِّهِ أحدًا [18\ 110] ،فالْأمْرانِ سواءٌ كما ترى إِيضاحهُ إِنْ شاء اللّهُ.
وبِذلِك تعْلمُ أنّ الْحلال هُو ما أحلّهُ اللّهُ، والْحرام هُو ما حرّمهُ اللّهُ، والدِّين هُو ما شرعهُ اللّهُ، فكُلُّ تشْرِيعٍ منْ غيْرِهِ باطِلٌ، والْعملُ بِهِ بدل تشْرِيعِ اللّهِ عِنْد منْ يعْتقِدُ أنّهُ مِثْلُهُ أوْ خيْرٌ مِنْهُ - كُفْرُ بواحٍ لا نِزاع فِيهِ.
وقدْ دلّ الْقُرْآنُ فِي آياتٍ كثِيرةٍ على أنّهُ لا حُكْم لِغيْرِ اللّهِ، وأنّ اتِّباع تشْرِيعِ غيْرِهِ كُفْرٌ بِهِ، فمِن الْآياتِ الدّالّةِ على أنّ الْحُكْم لِلّهِ وحْدهُ قوْلُهُ - تعالى:إِنِ الْحُكْمُ إِلّا لِلّهِ أمر ألّا تعْبُدُوا إِلّا إِيّاهُ [12\ 40] .وقوْلُهُ - تعالى:إِنِ الْحُكْمُ إِلّا لِلّهِ عليْهِ توكّلْتُ الْآية [12\ 67] .وقوْلُهُ - تعالى:إِنِ الْحُكْمُ إِلّا لِلّهِ يقُصُّ الْحقّ وهُو خيْرُ الْفاصِلِين [6\ 57] .وقوْلُهُ: ومنْ لمْ يحْكُمْ بِما أنْزل اللّهُ فأُولئِك هُمُ الْكافِرُون [5\ 44] .وقوْلُهُ - تعالى:ولا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أحدًا [18\ 26] .وقوْلُهُ - تعالى:كُلُّ شيْءٍ هالِكٌ إِلّا وجْههُ لهُ الْحُكْمُ وإِليْهِ تُرْجعُون [28\
(1) - المفصل في فقه الجهاد - ط2 (ص:1343) والبداية والنهاية ط هجر (17/ 162)