وأما السياسة التي تبتغي الدنيا ومتعتها فقط، وتعرض عن الآخرة فهي سياسة الكافرين، الذين قال الله تعالى عنهم: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) } [هود:15،16]
مَنْ كَانَ يَطْلُبُ الحَيَاةَ الدُّنْيا، وَالتَّمَتُّعَ بِلَذَّاتِهَا مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ، وَزِينَتَهَا مِنَ الثِّيَاتِ وَالأَثَاثِ وَالأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ، دُونَ اسْتِعدَادٍ لِلحَيَاةِ الآخِرَةِ بِعَمَلِ البِرِّ وَالإحْسَانِ، وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِعَمَلِ الطَّاعَاتِ، نُؤَدِّ إِلَيْهِمْ ثَمَرَاتِ أَعْمَالِهِمْ وَافيةً تَامَّةً، وَلاَ يُنْقِصُونَ شَيْئاً مِنْ نَتَاجِ كَسْبِهِمْ لأَجْلِ كُفْرِهِمْ، لأنَّ مَدَار الأَرْزَاقِ عَلَى الأَعْمَالِ لاَ عَلَى النِّيَّاتِ وَالمَقَاصِدِ، فَجَزَاءُ الأَعْمَالِ فِي الدُّنْيا مَنُوطٌ بِأَمْرَينِ: كَسْبِ الإِنْسَانِ، وَقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ. وَأَمَّا جَزَاءُ الآخِرَةِ فَهُوَ بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى بِلاَ وَسَاطَةِ أَحَدٍ.
وَهَؤُلاَءِ الذِينَ لاَ هَمَّ لَهُمْ إِلاَّ الدُّنْيا، وَزِينَتُهَا، وَزُخْرُفُهَا ... لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارَ، لأنَّ الجَزَاءَ فِيهَا مُتَرَتِّبٌ عَلَى الأَعْمَالِ فِي الدُّنْيا، وَهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا فِي دُنْيَاهُمْ لآخِرَتِهِمْ شَيئاً لِيَنْتَفِعُوا بِهِ. [1]
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) } [يونس:7،8]
إِنَّ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ وَلِقَاءِ اللهِ فِي الآخِرَةِ، وَاعْتَقَدُوا وَاهِمِينَ أَنَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا هِيَ مُنْتَهَاهُمْ، وَلَيْسَ بَعْدَهَا حَيَاةٌ، فَاطْمَأَنُّوا بِهَا، وَلَم يَعْمَلُوا لِمَا بَعْدَهَا، وَغَفَلُوا عَنْ آيَاتِ اللهِ الدَّالَةِ عَلَى البَعْثِ وَالحِسَابِ ... فَهَؤُلاَءِ سَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لِيَصْلِيَهُمْ بِنِيرَانِهَا، وَسَيَجْعَلُهَا مَأْوًى لَهُمْ وَمَنْزِلاً، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، وَعَلَى مَا اكْتَسَبُوا فِي دُنْيَاهُمْ مِنَ المَعَاصِي وَالآثَامِ وَالخَطَايَا وَالإِجْرَامِ. [2]
وقال تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) } [الروم:6،7]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1489،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1372،بترقيم الشاملة آليا)