وَبَعْدَ أَنْ ذَمَّ اللهُ تَعَالَى الظُّلْمَ وَأَهْلَهُ ، وَشَرَعَ القِصَاصَ والانْتِصَارَ مِنَ الظَّالِمِينَ ، نَدَبَ النَّاسَ إِلَى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا تَمْكِينٌ لِلْفَسَادِ فِي الأَرْضِ ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الصَّبْرَ عَلَى الأَذَى وَمَغْفِرَةَ السَّيئَةِ وَسَتْرَهَا مِنَ الأُمُورِ المَشْكُورَةِ ، وَالأَفْعَالِ الحَمِيدَةِ التِي يُجْزِلُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهَا الثَّوَابَ لِفَاعِلِيهَا ، وَمِنَ الأُمُورِ التِي يَنْبَغِي عَلَى العَاقِلِ أَنْ يُوَجِبَهَا عَلَى نَفْسِهِ .
( وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:"يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلاَثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا إِلاَّ أَعَزَّهُ اللهُ تَعَالَى بِهَا وَنَصَرَهُ . وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلاَّ زَادَهُ اللهُ بِهَ كَثْرَةً . وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلاَّ زَادَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا قِلَّةً") . ( أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيِرَةَ ) .
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ أَنَّهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَلاَ رَادَّ لأَمْرِهِ ، وَمَنْ أَضَلَّهُ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ مِنْ دُونِهِ . ثُمَّ يُخْبِرُ الله تَعَالَى الكَافِرِينَ ، الظَّالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ ، أَنَّهُمْ حِينَمَا يَرونَ العَذَابَ يَومَ القِيَامَةِ ، يَتَمَنَّونَ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا لِيَعْمَلُوا صَالِحًا غَيْرَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ، وَلِيُؤْمِنُوا وَيُطِيعُوا الرَّسُولَ ، وَيَقُولُونَ: هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى الرَّجْعَةِ إِلَى الدُّنْيَا لِنَعْمَلَ صَالِحًا غَيرَ الذِي كُنَّا نَعْمَلُ؟