وَهَؤُلاَءِ الكَافِرُونَ الذِينَ يُهَدِّدُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالوَيْلِ ، يَوْمَ القِيَامَةِ ، هُمُ الذِينَ يُفَضِّلُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا ، وَيُؤْثِرُونَهَا عَلَى الآخِرَةِ ، وَيَعْمَلُونَ لِلْدُّنْيا ، وَيَنْسَوْنَ الآخِرَةَ ، وَيَتْرُكُونَهَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنِ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } ، وَيُحِبُّونَ أَنْ تَكُونَ سَبِيلُ اللهِ مُعْوَجَّةً ، غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ ، لِكَي يَنْفِرَ النَّاسُ مِنْهَا . وَبِمَا أَنَّ سَبِيلَ اللهِ مُسْتَقِيمَةٌ فِي ذَاتِهَا فَلاَ يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَها ، وَلاَ مَنْ صَدَّ عَنْهَا ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ فِي اخْتِيَارِهِمْ حُبُّ الدُّنيا العَاجِلَةِ ، وَفِي صَدِّهِمْ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ دِينِ الإِسْلاَمِ ، وَفِي ابْتِغَائِهِمْ أَنْ تَكُونَ سَبِيلَ اللهِ مُعْوَجَّةً . . إِنَّمَا هُمْ فِي جَهْلٍ وَضَلاَلٍ ، وَبُعْدٍ عَنِ الحَقِّ ، وَلاَ يُرْجَى لَهُمْ صَلاحٌ .
فاستحباب الحياة الدنيا على الآخرة يصطدم بتكاليف الإيمان؛ ويتعارض مع الاستقامة على الصراط . وليس الأمر كذلك حين تستحب الآخرة ، لأنه عندئذ تصلح الدنيا ، ويصبح المتاع بها معتدلًا ، ويراعى فيه وجه الله . فلا يقع التعارض بين استحباب الآخرة ومتاع هذه الحياة .
إن الذين يوجهون قلوبهم للآخرة ، لا يخسرون متاع الحياة الدنيا كما يقوم في الأخيلة المنحرفة فصلاح الآخرة في الإسلام يقتضي صلاح هذه الدنيا
والإيمان بالله يقتضي حسن الخلافة في الأرض . وحسن الخلافة في الأرض هو استعمارها والتمتع بطيباتها . إنه لا تعطيل للحياة في الإسلام انتظارًا للآخرة ، ولكن تعمير للحياة بالحق والعدل والاستقامة ابتغاء رضوان الله ، وتمهيدًا للآخرة . . هذا هو الإسلام .