يُذَكِّر اللهُ ، جَلَّ شَأْنُهُ ، بَنِي إِسْرَائِيلَ بِضَجَرِهِمْ مِنَ الرِّزْقِ الكَرِيمِ الذِي مَنَّ بِهِ عَلَيهِمْ إَذْ أَنْزَلَ عَلَيهِم المَنَّ وَالَّلْوَى ، وَفَجَّرَ لَهُمُ المَاءَ ، فَطَلَبُوا مِنْ مُوسَى أن يَدعُوَ رَبَّهُ لِيُخْرِجَ لَهُمْ مِمَّا تُنْبِتُ الأَرضُ مِنَ الثُّومِ والبَصَلِ وَالبقُولِ والعَدَسِ ، وَمَا ألِفُوا العَيْشَ عَلَيهِ حِينَما كَانُوا فِي مَصْرَ . فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى مُقَرِّعًا وَمُوَبِّخًا ، وَمُسْتَنْكِرًا سُؤَالَهُم الأَطْعِمَةَ الدَّنِيئَةَ مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ العَيْشِ الرَّغِيدِ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الذِي هُوَ أَدْنَى ( العَدَسَ وَالبَصَلَ والثُّومَ وَالفومَ . . ) بِالذي هُوَ خَيْرٌ ( المَنُّ وَالسَّلْوَى ) ؟ .
ثُمَّ قَالَ لَهُم ادْخُلُوا مِصْرًا مِنَ الأَمْصَارِ ( أَي ادْخُلُوا أَيَّ بَلَدٍ مِنَ البُلْدَانِ ) فَإِنَّكُمْ وَأجِدُونَ فِيهِ مَا سَأَلْتُمْ ، وَهُوَ لاَ يَسْتَحِقّ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ فِيهِ .
وَقَدْ عَأقَبَهُمُ اللهُ تَعَالى عَلَى كُفْرَانِهِمْ تِلْكَ النِّعَمَ بِأَنْ ضَرَبَ عَلَيهِم الذِّلَّةَ التِي يَهُونُ مَعَها عَلَى النُّفُوسِ قَبُولُ الضَّيْمِ وَالاسْتِكَأنَةِ ، فَأَصْبَحَ يَسْتَذِلُّهُمْ كُلُّ مَنْ رَآهُمْ ، فَلاَ مُنْقِذَ لَهُمْ ، وَاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ غَضَبَ اللهِ .
وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ مَا قَضَى اللهُ بِهِ عَلَيهِمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالمَسْكَنَةِ أَنَّهُمْ كَأنُوا يَكْفُرونَ بِآيَأتِ اللهِ ، وَوَصَلَ بِهِمْ كُفرهُمْ إِلى حَدِّ قَتْلِ أَنْبِياءِ اللهِ ظُلْماَ وَعُدْوانًا ، فَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ إِثْمًا . ثُمَّ إِنَّهُمْ عَصَوا اللهَ وَارْكَبُوا مَأ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ ، وَتَجَاوَزُوا الحُدُودَ التِي أَبَاحَهَا اللهُ .