وَقَدْ صَارُوا إلى هَذا المَصِير السَّيِّئِ لأنَّهُم عَمَدُوا إِلى مَا يُسْخِطُ الله مِنْ نِفَاقٍ وَمَعْصِيَةٍ وَتَآمرٍ مَعَ اليَهُودِ أعدَاءِ اللهِ وَرَسُولِهِ ، وَأعْدَاءِ الإِسْلامِ ، فَاتَّبَعُوهُ . وَهُمُ الذِينَ كَرِهُوا رِضوَانَ اللهِ ، فَلَم يَعْمَلُوا لَهُ ، بَلْ عَمِلُوا مَا يُسْخِطُ اللهَ وَيُغْضِبُهُ ، فَأبْطَلَ مَا عَمِلُوا مِنْ أعْمالِ البِرِّ وَالخير ، التي كَانُوا يُعْجَبُونَ بِها ، وَيَتَفَاخَرُونَ بِعَمَلِها ، لِينَالُوا بِها حُسْنَ السُّمْعَةِ عِنْدَ النَّاسِ .
والتعبير يرسم معنى رجوعهم عن الهدى بعد ما تبين لهم ، في صورة حركة حسية ، حركة الارتداد على الأدبار . ويكشف ما وراءها من وسوسة الشيطان وتزيينه وإغرائه . فإذا ظاهر هذه الحركة وباطنها مكشوفان مفهومان! وهم المنافقون الذين يتخفون ويتسترون! ثم يذكر السبب الذي جعل للشيطان عليهم هذا السلطان ، وانتهى بهم إلى الارتداد على الأدبار بعد ما عرفوا الهدى وتبينوه:
{ ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر } . .
واليهود في المدينة هم أول من كرهوا ما نزَّل الله؛ لأنهم كانوا يتوقعون أن تكون الرسالة الأخيرة فيهم ، وأن يكون خاتم الرسل منهم؛ وكانوا يستفتحون على الذين كفروا ويوعدونهم ظهور النبي الذي يقودهم ويمكن لهم في الأرض ، ويسترجع ملكهم وسلطانهم . فلما اختار الله آخر رسله من نسل إبراهيم ، من غير يهود ، كرهوا رسالته . حتى إذا هاجر إلى المدينة كرهوا هجرته ، التي هددت ما بقي لهم من مركز هناك . ومن ثم كانوا إلبًا عليه منذ أول يوم ، وشنوا عليه حرب الدس والمكر والكيد ، حينما عجزوا عن مناصبته العداء جهرة في ميادين القتال؛ وانضم إليهم كل حانق ، وكل منافق ، وظلت الحرب سجالًا بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أجلاهم في آخر الأمر عن الجزيرة كلها وخلصها للإسلام .