ودعوة توحيد العبادة والعبودية لله ، المتمثلة فيما يحكيه القرآن الكريم عن كل رسول: { قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } . . ولقد كنا دائمًا نفسر « العبادة » لله وحده بأنها « الدينونة الشاملة » لله وحده . في كل شأن من شؤون الدنيا والآخرة . ذلك أن هذا هو المدلول الذي تعطيه اللفظة في أصلها اللغوي . . فإن « عبد » معناها: دان وخضع وذلل . وطريق معبد طريق مذلل ممهد . وعبّده جعله عبدًا أي خاضعًا مذللًا . . ولم يكن العربي الذي خوطب بهذا القرآن اول مرة يحصر مدلول هذا اللفظ وهو يؤمر به في مجرد أداء الشعائر التعبدية . بل إنه يوم خوطب به أول مرة في مكة لم تكن قد فرضت بعد شعائر تعبدية! إنما كان يفهم منه عندما يخاطب به ان المطلوب منه هو الدينونة لله وحده في أمره كله؛ وخلع الدينونة لغير الله من عنقه في كل أمره . . ولقد فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « العبادة » نصًا بأنها هي « الاتباع » وليست هي الشعائر التعبدية . وهو يقول لعدي ابن حاتم عن اليهود والنصارى واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابًا: « بلى . إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال . فاتبعوهم . فذلك عبادتهم إياهم » . إنما أطلقت لفظة « العبادة » على « الشعائر التعبدية » باعتبارها صورة من صور الدينونة لله في شأن من الشؤون . . صورة لا تستغرق مدلول « العبادة » بل إنها تجيء بالتبعية لا بالأصالة! فلما بهت مدلول « الدين » ومدلول « العبادة » في نفوس الناس صاروا يفهمون أن عبادة غير الله التي يخرج بها الناس من الإسلام إلى الجاهلية هي فقط تقديم الشعائر التعبدية لغير الله ، كتقديمها للأصنام والأوثان مثلًا! وأنه متى تجنب الإنسان هذه الصورة فقد بعد عن الشرك والجاهلية وأصبح « مسلمًا » لا يجوز تكفيره! وتمتع بكل ما يتمتع به المسلم في المجتمع المسلم من صيانة دمه وعرضه وماله . . . إلى أخر حقوق المسلم على المسلم!