ثم سارع بتطمين المسلمين من عاقبة هذا الكيد: { لا تحسبوه شرًا لكم؛ بل هو خير لكم } . .
خير . فهو يكشف عن الكائدين للإسلام في شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته . وهو يكشف للجماعة المسلمة عن ضرورة تحريم القذف وأخذ القاذفين بالحد الذي فرضه الله؛ ويبين مدى الأخطار التي تحيق بالجماعة لو أطلقت فيها الألسنة تقذف المحصنات الغافلات المؤمنات . فهي عندئذ لا تقف عند حد . إنما تمضي صعدًا إلى أشرف المقامات ، وتتطاول إلى أعلى الهامات ، وتعدم الجماعة كل وقاية وكل تحرج وكل حياء .
وهو خير أن يكشف الله للجماعة المسلمة بهذه المناسبة عن المنهج القويم في مواجهة مثل هذا الأمر العظيم .
أما الآلام التي عاناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته ، والجماعة المسلمة كلها ، فهي ثمن التجربة ، وضريبة الابتلاء ، الواجبة الأداء!
أما الذين خاضوا في الإفك ، فلكل منهم بقدر نصيبه من تلك الخطيئة: { لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم } . . ولكل منهم نصيبه من سوء العاقبة عند الله . وبئس ما اكتسبوه ، فهو إثم يعاقبون عليه في حياتهم الدنيا وحياتهم الأخرى: { والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } يناسب نصيبه من ذلك الجرم العظيم .
والذي تولى كبره ، وقاد حملته ، واضطلع منه بالنصيب الأوفى ، كان هو عبد الله بن أبي بن سلول . رأس النفاق ، وحامل لواء الكيد . ولقد عرف كيف يختار مقتلًا ، لولا أن الله كان من ورائه محيطًا ، وكان لدينه حافظًا ، ولرسوله عاصمًا ، وللجماعة المسلمة راعيًا . . ولقد روي أنه لما مر صفوان بن المعطل بهودج أم المؤمنين وابن سلول في ملأ من قومه قال: من هذه؟ فقالوا: عائشة رضي الله عنها . . فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها . وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت؛ ثم جاء يقودها!