وأختم هنا بإشارة سريعة حول لغات العرب التي ملأ ابن دريد كتابه منها ، واعتنى بها في أثناء تفسيره ، فأقول: إنه كان مهتمًا باللغات عمومًا ، لا سيما لغةِ قومه: الأزد ، ومَن حولهم من أهل اليمن ؛ ورغم كثرة إشارته إلى اللغات ، واعتماده عليها في بيان المعاني ووجوه القراءات ؛ إلا أنه قليلًا ما كان يسمِّي مَرجِع تلك اللغة ، إذ لم يسم إلا أزد شنوءة .
المبحث الخامس: عنايته بالقراءات ، وتوجيهها
مضت سنّة المفسرين سلفًا وخلفًا ، على العناية بالقراءات في أثناء تفسير الآيات ، وكان الكلام على ما في الحرف القرآني من قراءات أمرًا يسارعون إليه ، حين يأتون عليه ؛ ذلك: أن القراءات قرآن يفسر بعضه بعضًا ، ولها بالسنة - أيضًا - اتصال وسبب .
وإنّ ما يكون في الحرف من قراءات ، هو في الحقيقة ألفاظ يُفَسَّر بها ذلك الحرف وكم ينكشف بالقراءات المتعددة من المعاني ، ما لا ينكشف بالقراءة الواحدة منفردة !
وإذا ما انطلقنا نَقُصُّ هذا في تفسير ابن دريد بَصُرْنا به ظاهرًا غير خفي ؛ حيث أبرزه بجلاء وأبلى فيه خير بلاء .
وأبرز ملامح هذا الجانب عند ابن دريد ما يأتي:
1.أنه يَذْكُر القراءات بنوعيها: المتواتر ، والشاذ .
2.أحيانًا يصرّح بوجود الاختلاف في الحرف بين القراء ، فيذكر فيه أكثر من قراءة وأحيانًا لا يذكر إلا وجهًا واحدًا .
3.من النادر أن يعزو القراءة إلى من قرأ بها ؛ والغالب أن يذكرها دون أن يسمي القارئ بها .
4.أحيانًا يوجّه القراءات فيَذْكر معنى كل قراءة ، وأحيانًا يَذْكرها بدون توجيه .
5.أنه - أحيانًا - يرجّح بين القراءات ، فيختار هذه ويترك تلك ، وربما ذَكَر سبب الاختيار والترجيح ؛ كمخالفة الخط ، أو مخالفته وجهًا من العربية .
وبقي أن يؤتى بالأمثلة الشاهدة على كل ما مضى ، ومنها: