الأولى: إذا استأذن الواحد أو الجماعة للجهاد فات المقصود؛ لأن الجهاد حالة قائمة ماسة لا تنتظر التأخير والاستئذان.
الثانية: إذا عطل الإمام الجهاد، وأقبل هو وجنوده على الدنيا مما هو مشاهد في هذه الأعصار والأمصار فلا كراهة في الجهاد بغير إذن الإمام لأن الإمام معطل للجهاد والمجاهدون يقومون بالفرض المعطل.
الثالثة: إذا كان من يريد الجهاد لا يقدر على الاستئذان لأنه يعلم أنه لو استأذن لم يؤذن له.
قلت: لله درك يا إمام! وصدق شيخ الإسلام ثم صدق لما قال: في مجموع الفتاوى (صفحة 242، ج 28) : ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم كما دل عليه قوله تعالى"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا"فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم لأن الله تعالى يقول:"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا".
وقال الإمام الطبري في تفسيره لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة 122]
"فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله - صلى الله عليه وسلم - على أهل عداوته والكفر به فبفقهه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه ولينذروا قومهم فيحذرهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم (لعلهم يحذرون) : يقول لعل قومهم إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك يحذرون، فيؤمنون بالله ورسوله حذرًا أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروا خبرهم. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب وهو قول الحسن البصري الذي رويناه عنه لأن النفر قد بينا فيما مضى أنه إذا كان مطلقًا بغير صلة بشيء أن الأغلب من استعمال العرب إياه في الجهاد والغزو، فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه وكان جل ثناؤه قال: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) علم أن قوله ليتفقهوا في الدين هو شرط للنفر لا لغيره، إذ كان يليه دون غيره من الكلام فإن قال قائل وما تنكر أن يكون معناه ليتفقه المتخلفون في الدين؟ قيل ننكر ذلك لاستحالته، وذلك أن نفر الطائفة النافرة لو كان سببًا لتفقه المتخلفة، وجب أن يكون مقامها معهم سببًا لجهلهم، وترك التفقه. وقد علمنا أن مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سببًا لمنعهم من التفقه. وبعد فإنه قال جل ثناؤه (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) عطفًا به على قوله (ليتفقهوا في الدين) . ولا شك أن الطائفة النافرة لم ينفروا إلا والإنذار قد تقدم من الله إليها. وللإنذار وخوف الوعيد نفرت. فما وجه إنذار الطائفة المتخلفة الطائفة النافرة وقد تساوتا في المعرفة بإنذار الله إياهما؟ ولو كانت إحداهما جائز أن توصف بإنذار الأخرى، لكن أحقهما بأن يوصف به الطائفة النافرة، لأنها قد عاينت من قدرة الله ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به. ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا من أنها تنذر من حيها وقبيلتها من لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه أن ينزل به ما أنزل بمن عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نظرائه من أهل الشرك."