إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فعن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يتكلم بحق إذا رآه أو شهده أو سمعه". فقال أبو سعيد: وددت أني لم أكن سمعته. وقال أبو نضرة: وددت أني لم أكن سمعته. رواه الإمام أحمد برقم (11074) وابن ماجة (وفي روايته: فبكى أبو سعيد وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا) وابن حبان وصححه الألباني في الصحيحة (168) ، فتأمل أخي في الله قول أبي سعيد رضي الله عنه: (وددت أني لم اكن سمعته) فهذا يدل على كمال خوفه من الله عز وجل، كيف لا؟ وهو الأمار بالمعروف، النهاء عن المنكر، فكيف بنا على تقصيرنا وإفراطنا وتفريطنا؟ فحري بنا أن نستنهض الهمم، وأن نشد العزم، وأن نأخذ باليد على الخير، وأن ننكر المنكر دون النظر إلى قائله. فإن الرجال يعرفون بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال. ومن تواضع لله رفعه، وكما قيل رحم الله امرأ أهدى إليّ عيوبي. فلا أحد معصوم إلا الأنبياء عليهم السلام، وقد ورد عن الأئمة: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر (أي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم) .
أم إننا نردد شعارات فقط والذي ليس معنا هو ضدنا؟ وإذا ما خالفنا أحد قلنا عنه جاهل، متحامل خارجي حزبي تكفيري، ظلمًا وزورًا وبهتانًا، وحشدنا وجمعنا وألفنا قواميس شتم. بل إن بعض المعاجم تضيق ذرعًا ببعض السباب من قبحه، يصدر من أناس إلى العلم الشرعي ينتسبون، وبادعائه على الناس يتطاولون، حتى يكاد أحدهم في هذا الزمان - إن كان مبرزًا في شيء - ففي المقدمة أولها وآخرها وفي ثناياها شتم ضجت به الصفحات، ورفعت رأسها عاليًا، وصاحت بملء فيها هاتيك الطامات، مع الإشارة إلى أن من وافقنا قلنا له هنيئًا لك هذا العلم على ما فيه من عوار:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
وإن كان عالمًا وخالفنا - فمهما كان - هنيهة أمام الناس نحترمه، وفي الخفاء، كل الذم يلحقه ويلبسه. هل وصلنا إلى درجة يصح التمثيل عليها بقول الشاعر: -
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام
وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. ولكن أسأل الله تعالى أن يغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات خطايانا يوم الدين.
وإن عجزت عن الجهاد، فلا أقلّ من أن أحرض عليه بلساني؛ علَّ الله تعالى يرزقنا الشهادة. مذكرًا نفسي وإخواني بقصة من قصص الرعيل الأول: عن أبي قتادة قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ - وكانت رجله عرجاء - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم. فقتلوا يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم.