فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 71

قال ابن القيم في اعلام الموقعين 1/ 6:"وكان دين الله أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليه رأيًا أو معقولًا أو تقليدًا أو قياسًا فطار لهم الثناء الحسن في العالمين وجعل الله سبحانه لهم لسان صدق في الآخرين ثم سار على آثارهم الرعيل الأول من أتباعهم ودرج على منهاجهم الموفقون من أشياعهم زاهدين في التعصب للرجال واقفين مع الحجة والاستدلال يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه إذا بدا لهم الدليل طاروا إليه زرافات ووحدانًا وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه ولا يسألونه عما قال برهانًا. ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس أو يعارضوها برأي أو قياس".

وقال رحمه الله تعالى عن المخذلين وأضرابهم:"ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون وتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا وكل إلى ربهم راجعون جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون ورؤوس أموالهم التي بها يتجرون وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب ولسان الحق يتلو عليهم:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب". قال الشافعي قدس الله روحه:"أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس". قال أبو عمر وغيره من العلماء أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودًا من أهل العلم وأن العلم معرفة الحق بدليله وهذا كما قال أبو عمر - رحمه الله تعالى - فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد فقد تضمن هذان الإجماعان إخراج المتعصب بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء وسقوطهما باستكمال من فوقهما الفروض من ورثة الأنبياء فإن العلماء هم ورثة الأنبياء فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر وكيف يكون من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم من يجهد ويكدح في رد ما به إلى قول مقلده ومتبوعه ويضيع ساعات عمره في التعصب والهوى ولا يشعر بتضييعه، تالله أنها فتنة عمت فأعمت ورمت القلوب فأصمت ربا عليها الصغير وهرم فيها الكبير واتخذ لجلها القرآن مهجورًا وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورًا ولما عمت بها البلية عظمت بسببها الرزية بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها ولا يعدون العلم إلا إياها فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون .. ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون نصبوا لمن خالفهم في طريقه الحبائل وبغوا له الغوائل ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد وقالوا لإخوانهم إنا نخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد. فحقيق بمن لنفسه عندهم قدر وقيمة ألا يلتفت إلى هؤلاء ولا يرضى لها بما لديهم وإذا رفع له علم السنة النبوية شمر إليه ولم يحبس نفسه عليهم فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله وينظر كل عبد ما قدمت يداه ويقع التمييز بين المحققين والمبطلين ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم وسنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت