فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 71

قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ، إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [سورة التوبة 38 - 39]

يقول الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:"هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارة القيظ فقال تعالى"يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله"أي إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله"اثاقلتم في الأرض"أي تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار"أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة"أي ما لكم فعلتم هكذا رضا منكم بالدنيا بدلا من الآخرة؟ ثم زهّد تبارك وتعالى في الدنيا. ورغب في الآخرة فقال"فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل"كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم فلينظر بما ترجع؟ وأشار بالسبابة انفرد بإخراجه مسلم. وروى ابن أبي حاتم حدثنا بشر بن مسلم بن عبد الحميد الحمصي بحمص حدثنا الربيع ين روح حدثنا محمد بن خالد الوهبي حدثنا زياد يعني الجصاص عن أبي عثمان قال: قلت يا أبا هريرة: سمعت من إخواني بالبصرة أنك تقول: سمعت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يقول"إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنه"قال أبو هريرة: بل سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة"ثم تلا هذه الآية"فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل"فالدنيا ما مضى منها وما بقى منها عند الله قليل. وقال الثوري عن الأعمش في الآية"فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل"قال كزاد الراكب. وقال عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة قال: ائتوني بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال: أما لي من كبير ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولى ظهره فبكى وهو يقول: أفٍّ لكم من دار إن كان كثيرك لقليلا وإن كان قليلك لقصيرًا وإن كنا منك لفي غرور. ثم توعد تعالى من ترك الجهاد فقال"إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما"قال ابن عباس: استنفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيا من العرب فتثاقلوا عنه فأمسك الله عنهم القطر فكان عذابهم"ويستبدل قوما غيركم"أي لنصرة نبيه وإقامة دينه كما قال تعالى"وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم"ولا تضروه شيئا"أي ولا تضروا الله شيئا بتوليكم عن الجهاد ونكولكم وتثاقلكم عنه"والله على كل شيء قدير"أي قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم".

قلت: وقول الله تعالى: (إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) [التوبة: 39] لا يكون هذا التهديد والوعيد إلا في ترك واجب أو فعل محرم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت