وفي كلام شيخ الإسلام بيان شاف كاف في التفريق بين جهاد الطلب وجهاد الدفع، وكذلك في كلام تلميذه ابن القيم في الفروسية؛ فقتال الدفع هو نفس قول ابن تيمية"إذا أراد العدو الهجوم على بلاد المسلمين فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين؛ لإعانتهم"وهو معنى قوله"كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله تعالى في تركه لأحد"وقوله في جهاد الطلب"كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو".
وإليك كلام ابن القيم في كتاب الفروسية قال: -"فمن المعلوم أن المجاهد قد يقصد دفع العدو إذا كان المجاهد مطلوبًا والعدو طالبًا، وقد يقصد الظفر بالعدو ابتداء إذا كان طالبًا والعدو مطلوبًا، وقد يقصد كلا الأمرين، والأقسام ثلاثة يؤمر المؤمن فيها بالجهاد".
قال: وجهاد الدفع أصعب من جهاد الطلب، فإن جهاد الدفع يشبه باب دفع الصائل، ولهذا أبيح للمظلوم أن يدفع عن نفسه كما قال تعالى:"أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا". وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد". إن دفع الصائل على الدين جهاد وقربة، ودفع الصائل على المال والنفس مباح ورخصة، فإن قتل فيه فهو شهيد، فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوبًا.
ولهذا يتعين على كل أحد يقوم ويجاهد فيه .. فالعبد بإذن سيده ودون إذنه، والولد دون إذن أبويه، والغريم بغير إذن غريمه، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق، ولا يشترك في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون، فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين، فكان الجهاد واجبًا عليهم؛ لأنه حينئذ جهاد ضرورة ودفع لا جهاد اختيار، ولهذا تباح فيه صلاة الخوف بحسب الحال في هذا النوع، وهل تباح في جهلد الطلب إذا خاف فوت العدو ولم يخف كرته، فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد، ومعلوم أن الجهاد الذي يكون فيه الإنسان طالبًا مطلوبًا أوجب من هذا الجهاد الذي هو فيه طالب لا مطلوب والنفوس فيه أرغب من الوجهين.
وأما جهاد الطلب الخالص فلا يرغب فيه إلا أحد رجلين، إما عظيم الإيمان يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، وإما راغب في المغنم والسبي. فجهاد الدفع يقصده كل أحد ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعًا وعقلًا، وجهاد الطلب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين، وأما الجهاد الذي يكون فيه طالبًا مطلوبًا، فهذا يقصده خيار الناس لإعلاء كلمة الله ودينه، ويقصده أوساطهم للدفع والمحبة والظفر.