وأقول: فكيف إذا كان أزيز رصاص، وهدير دبابات، ودوي مدافع، وقنابل عنقودية، وطاشرات عمودية؟ وما أحرانا نحن القاعدين عن الجهاد أن نتمثل قول المتنبي:
يقول لي الطبيب أكلت شيئا ... وداءك في شرابك والطعام ...
وما في طبه أني جواد ... أضر بجسمه طول الجمام ...
تعود أن يغبر في السرايا ... ويخرج من قتام في قتام
ألا يكون حالنا كأولئك النفر العظام من الصحابة - رضي الله عنهم - الذين أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجاهدوا، فلم يجد ما يحملهم عليه؟ فما هو حالهم يا أخوة الإيمان؟ هل فرحوا وقالوا عُذرنا؟ لا ورب الكعبة. إنها قلوب والله كأفئدة الطير في رقتها، وكالماء في صفائها ونقائها. لقد أنزل الله فيهم قرآنًا يشنف الآذان، كلما قرأت هاتيك الآيات زدت محبة وشوقًا إلى الرحمن. قال تعالى:
(وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) [التوبة 92]
وكما قال الشاعر: -
عذابه فيك عذب ... وبعده فيك قرب ...
حسبي من الحب ... أني لما تحب أحب
الله أكبر ما أطيبه من إيمان! إذا خالطت بشاشته القلوب تفجرت ينابيع الصدق من أفئدتهم ففاضت الدموع من العيون. أي محبة هذه؟ إنها محبة فاح مسك الإيمان منها، فما زلنا نتفيأ ظلال رائحة زكيه. إنها رياحين التقوى.
* قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن في المدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم. قالوا يا رسول الله وهم في المدينة؟ قال: وهم في المدينة حبسهم العذر."رواه البخاري برقم (4071) وبنحوه مسلم.