الصفحة 83 من 90

قالَ لهُم موسَى ويلكُم لا تفترُوا علَى اللهِ كذبًا فيسحتكُم بعذاب وقد خابَ من افترى. فتنازعُوا أمرهُم بينهُم وأسرُوا النجوى. قالوا إن هذانِ لساحرانِ يريدان أن يُخرجاكُم مِن أرضكُم بسحرهمَا ويذهبَا بطريقتكُمُ المُثلى. فأجمعوا كيدكُم ثمّ ائتُوا صفًّا وقَد أفلحَ اليومَ منِ استعلى. قالوا يا موسى إما أن تُلقِي وإما أن نكونَ أولَ من ألقَى (146) .

هنا جهد مخطط ومنظم من قبل فرعون للتأثير في نفوس سحَرته وقومه، حثهم به على التمسك بالأرض وبأسلوب الحياة السائد، وأوعز إليهم أن ثمة مُخربين وسحرة لا محيد عن مقاومتهم. وكالشائعة ـ تمامًا ـ تُسخر الدعاية ضد أفكار الآخرين ومعتقداتهم، وتُحشد لها أساليب الإرباك والإضعاف، وأشهرها السخرية، والاستهزاء، والاستخفاف، والتعبير. فمن ذلك ما قصه القرآن الحكيم في ثنايا مؤازرة الحق لنبيه حين تقصّده الكفار معيرين إياه {إنّا أعطيناكَ الكوثرَ. فصلِ لربكَ وانحَر. إنّ شانئكَ هُوَ الأبتر} (147) . وقد كان ذلك دأب الكفار مع الرسالات: يحاربونها ويستهزئون منها سخرية: {ولقَد استهزِىء برسُل مّن قبلكَ فحاقَ بالذينَ سخروا مِنهُم مّا كانُوا به يستهزءونَ} (148) .

وتعتمد الدعاية في الحرب النفسية أسلوب إثارة الفتن والوقيعة بين الأهل والأقارب، وبين المواطنين عامة. وقد شهد الرسول الكريم ألوانًا من هذه الحرب طوال سني دعوته، فقد استهدفه الكفار في علاقته بأبي طالب (عمه، وحاميه) ـ رغم كفره ـ فقدم وفدٌ من قريش إلى أبي طالب يقولون له: إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفّه عنا، وإما أن تُخلي بيننا وبينه، فانك على مثل ما نحنُ عليه من خلافه فنكفيه. فقال لهم أبو طالب قولًا رقيقًا وردهم ردًا جميلًا، فعاد الوفد من حيث أتى.

وعظُم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسًا بتسليم ابن أخيه وخذلانه، فاستدعي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويطلب منه ألا يحمله ما لا يطيق، فظن الرسول أن عمه خاذله ومسلمه. فقال الرسول: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أهلك دونه ما تركته» ، وعندها قال أبو طالب لابن أخيه: اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا.

وتعتمد الدعاية ـ أيضًا ـ أسلوب الترغيب والترهيب، فقد حاول كفار قريش إغراء سيدنا محمد ص بالمال حتى يكون أكثرهم مالًا، وبالملك حتى يصير ملكًا عليهم، وعندما رفض كل عروضهم، ساوموه ـ عليه الصلاة والسلام ـ على حل وسط: أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، فيترك كل منهما الآخر على ما هو عليه: {ودُّوا لَو تدهنُ فيدهنونَ} (149) . لذا كانت المفاصلة: {قُل يَا أيهَا الكافرونَ. لا أعبدُ مَا تعبدونَ} (150) .

ومن الأساليب الشهيرة في الدعاية: التشكيك، وقد عمد إليه الكفار للنيل من نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم: {وقالُوا مَا لهذَا الرسولِ يأكلُ الطعامَ ويمشِي في الأسواقِ لَو لا أنزلَ إليه ملكٌ فيكونَ معهُ نذيرًا. أو يلقَى إليه كنزٌ أو تكونُ لهُ جنة يأكلُ منهَا} (151) ، ومن هذا النمط، الاتهام بالسحر والكذب: {وعجبُوا أن جاءهُم منذرٌ منهُم وقالَ الكافرونَ هذَا ساحرٌ كذابٌ} (152) .

ومن صور التطويع المنظم والمخطط للدعاية القوية، ما فعله الوليد بن المغيرة ـ وكان من الكفار الطاعنين في السن ـ وقد جلس معه كفار قريش يحيكون أسلوبًا من أساليب الدعاية ضد النبي عليه الصلاة والسلام في موسم الحج ـ أيام الجاهلية ـ فقال لهم الوليد: أن وفود العرب ستقدم عليكم وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا.

قالوا: نقولُ كاهنٌ.

قال: لا والله ما هو بكاهن. لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه.

قالوا: نقول مجنون.

قال: ما هو بمجنون. لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته.

قالوا: فنقول شاعر.

قال: ما هو بشاعر. لقد عرفنا الشعر كله، رجزَه وهزجَه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر.

قالوا: فنقول ساحر.

قال: ما هو بساحر. لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم.

قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس.

قال: والله إن لقوله حلاوة، وإن أصله لغدقٌ وإن فرعه لجناةٌ وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنه باطل. وان أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت