الفصل الثاني
مبادئ العمل الإستخباري
يشتمل العمل الإستخباري على المبادئ التالية:
المعرفة على قدر الحاجة:
وهو مبدأ هام يقصد به إلا تُمنح المعلومات السرية إلا لمن تُحتم طبيعة واجبه المكلف به استخدام هذه المعلومات السرية، وتحجب عمّن سواه، مهما كانت درجة حرصه على الدّولة، ومهما تعاظم مقدار الثقة فيه. فكثيرًا ما يُفضى الخلل إلى الأجهزة الأمنية بانتشار المعلومة بين العديد ممن يوصفون بأنهم مطلعين على بواطن الأمور ـ بمقتضى الانتماء إلى السّلطة فكرًا وعقيدة ـ وقد يكون سعى أمثال هؤلاء نابعًا من حرصهم على أمن الدولة وصحة مسيرتها، أو لغير ذلك من الأسباب الخيرة، وهنا يكمن الخطر الوبيل. ولقد وجهنا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - لكي نتجنب عواقب ذلك إلى ترك ما لا يعنينا: «حسبُ امرئ تركُ ما لا يعنيه إلى ما يعنيه» . وفي حديث آخر: «من حُسن إسلام المرء تركهُ ما لا يعنيه» . وحجب المعلومات السريةً، وقصر إفشائها على ذوي الاختصاص، أدعى إلى حفظها، وأحجى بتحقيق الحذر المطلوب الذي أمر الله تعالى به: {يا أيهَا الذينَ آمنوا خذُوا حذركُم ... } (115) .
السرية:
ونعني بها: «كتمان المعلومات التي إذا نالها العدو أضرت بالصالح العام» .
وجلى من هذا التعريف أن سرية المعلومات تتحقق بكتمانها، ولا يكون ذلك إلا باتخاذ الإجراءات الصارمة في نسخها، والاعتماد على أهل الثقة في ما يُستنسخ منها، وإتلاف ـ أو التحفظ على ـ المسودات ومواد الطباعة التي كتبت عليها المعلومات السرية، والحد من تداولها وحفظها في حرز حريز، ففي الحديث الشريف: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان» . وسوف نفصل في باب الحديث عن أمن المعلومات نماذح عن السرية وأمن المعلومات، وردت في الكتاب المجيد، والسيرة المطهرة، وفي التراث الإسلامي عامة، ونكتفي هنا بالقول: أن مبدأ السرية مبدأ هام طبقه النبي عليه السلام خير تطبيق في بداية الدعوة، وعند هجرته من مكة إلى المدينة، وفي غزواته، وفي حله وترحاله.
ولنأخذ مثالًا على كيفية تطبيق مبدأ السرية في الإسلام، من غار حراء الذي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتعبد فيه سرًا، ثم ما تبع ذلك من مرحلة كانت أشبه بمرحلة «المعرفة على قدر الحاجة» ، حين طلب إلى النبي أن يخاطب بالدعوة عددًا محدودًا من الناس: {وأنذِر عشيرتكَ الأقربينَ} (116) ، فقد انحصرت المعلومة «الخطيرة» في نحو ستين شخصًا آنذاك، ربعهم، تقريبًا، كان من النساء.
وقد أولى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أهمية كبيرة في أول أيام دعوته لمفهوم السرية، إذ كان يجتمع بأصحابه في دار «الأرقم بن أبي الأرقم» ، التي كان من أسباب اختيارها:
* أن الأرقم لم يكن معروفًا بإسلامه، فما كان يخطر ببال قريش أن يتم لقاء محمد وأصحابه بداره.
* أن الأرقم من قبيلة بني مخزوم التي تنافس، وتحارب، بني هاشم، وهذا يعني أن الاجتماع السري كان ينعقد في قلب صفوف العدو.
* أن الأرقم كان فتى في السادسة عشرة من عمره، وحين تُفكر قريش في البحث عن مركز التجمع الإسلامي لن يخطر ببالها أن تبحث في بيوت الناشئة من الفتيان.
ولقد كانت دار الأرقم مثالًا ممتازًا «للبيت الأمن» في عرف الأمن، ذلك الامتياز الذي شمل بالسرية كل الأفعال قبل الهجرة، فحتى الصّلاة كانت تُصلى ركعتين ركعتين، وكان الرّسول - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى يحرسه علي بن أبي طالب، أو زيد بن حارثة، وقد تأخر إعلان العبادة حتى أسلم عمر رضي الله عنه.
الولاء، والإخلاص، والطّاعة: