الصفحة 6 من 90

الفصل الأول

مفهوم الأمن

الأمن، لغةً: هو الاطمئنان والسّكينة. وفي المعجم الوسيط (أمن أمنًا، وأمانةً، وأمنةً: اطمأنّ ولم يخَف، فهو آمن، يقال لك الأمان: أي قد آمنتك) وفي القرآن الكريم: {قالَ هل آمنُكم عليه إلا كمَا أَمنتكُم على أخيهِ مِن قَبل} (2) . والأمنة: الأمن، منه قوله تعالى: {أمنةً نُعاسًا} (3) . والبلد الآمن: هو البلد الذي أمّن فيه أهله. {والتّينِ والزّيتُونِ. وطُورِ سِنينَ. وهذا البلدِ الأمين} (4) . واستأمنهُ: طلب منه الأمان. والأمنة: الاطمئنان وسكون القلب. والآمون: المطّية المأمونة العثار. ولا مأمنُ: موضع الأمن. والأمن هو نقيض الخوف ... قال تعالى: {وليُبدّلنّهُم مِن بعدِ خوفِهِم أمنًا} (5) . والأمن للإنسان هو الطُمأنينة والسّكينة وانتفاء الخوف عن نفسه، ما يجعله مقبلًا على الحياة بروح معنوية عالية، وثقة بالنّفس.

والأمن، اصطلاحًا: يعني الإجراءات الأمنيّة التي تُتخَذ لحفظ أسرار الدّولة وتأمين أفرادها ومنشآتها ومصالحها الحيوية في الدّاخل والخارج. والإجراءات الأمنيّة تتطّلب درجةً عاليةً من التّدريب واليقظة والحذر والمهارة، للوقاية من نشاط العدوّ المتربّص، يقول الله تعالى: {ود الذّين كفرُوا لو تغفلون عن أسلحتكُم وأمتعتكم فيميلُون عليكم مّيلةً واحدةً ... } (6) .

ونظرًا إلى الوسائل المتطوّرة والمعقّدة، والى السّرية المتناهية التي يستخدمها العدوّ لتجنيد عملائه وتنفيذ مخطّطاته، أصبح لزامًا على الدّولة اتّخاذ الحيطة والحذر، وإعمال الإجراءات كافّةً، لمواجهة خطط العدو.

وبما أنّ امكانات وقدرات الأجهزة المتخصصة في بلادنا الإسلامية محدودة العدد والعُدة والانتشار، فلا مناص من أن يتحلى أفراد المجتمع بالوعي الأمني، ليكونوا عونًا للدولة، فالأمن مسؤولية الجميع، وليس عملًا تخصيصًا ضيقًا مقصورًا على أجهزة محددة وأفراد بعينهم، بل أن على كل فرد في المجتمع المبادرة بالتبليغ عن أي عمل يقدر أنه يمس الأمن، لأنه- حتما- سيمس مصلحة الجمهور ذاته، لذا فالعمل الأمني يردُ ضمن الإعداد المطلوب لمكافحة العدو {وأَعدُّوا لهُم مّا استطعُتم من قُوّة ومن رباط الخيلِ ترهبونَ به عدوّ اللهِ وعدوكُم وآخرينَ من دونهِم لا تعلمونهم اللهُ يعلمهُم} (7) ، والخطاب في هذه الآية شاملٌ، يؤكد ضرورة الاستعداد والحذر، وفيه تنبيه واضح للمندسّين والمتعاونين مع العدو.

تعريف الأمن:

هناك تعريفات كثيرة للأمن، منها: أن الأمن هو: «الطمأنينة والهدوء والقدرة على مواجهة الأحداث والطوارئ دون اضطراب» . ويقول وولتر ليمبان: «إن الدولة تكون آمنة حينما لا تضطر للتضحية بمصالحها المشروعة» . ويقول روبرت ماكنمارا: «إن أمن الدول يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتنمية والرفاهية الاجتماعية، وبذلك يكون الأمن هو القضاء على الجوع والفقر» . ويقول خبراء الأمن: ان الأمن هو حالة ذهنية ونفيسة وعقلية ( security is a state of mind) وفي تراث العرب ورد معنى قريبٌ من ذلك، اذ يقول الشاعر المتنبي:

وما الخوفُ إلا ما تخوّفه الفتى ... وما الأمن إلا ما رآهُ الفتى أَمنا

وبالتمعن في هذه التعريفات المختلفة، نجد أن المعاني المشتركة والمتلازمة التي تسبب انعدام الأمن هي: الجوع، والفقر، والخوف، والظلم، وتردى الحالة النفسية والذهنية لدى الفرد والجماعة على السواء.

وقد أكد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أهمية الأمن في حديث جامع، يقول: «من باتَ آمنًا في سرِه، مُعافى في بدنه عنده قُوتُ يومه، فكأنما حيزت له الدّنيا بحذافيرها» . ومنذ أن أهبط آدم وزوجه من الجنة إلى الأرض تقصمها توقٌ فطرىٌّ إلى الأمن، وسعىٌ حثيث للتحرر من الخوف والشقاء، وبحث مضين عن الطريق المؤدي إلى ذلك، وقد بين الله سبحانه وتعالى هذا السبيل في قوله الكريم: {قالَ اهبطا منها جميعًا بعضكُم لبعض عدوٌّ فإمّا يأتينكُم مّني هُدى فمن اتّبع هُداي فلا يضلُّ ولا يشقى} (8) . فالابتعاد عن هُدى الرّحمن يورث البغضاء والشك والحيرة والاضطراب، وإتباع هدى الرحمن يُورث الأمن والطمأنينة والتثبيت. ولذا كان الأمن- والإحساس بوجوده أو عدمه- حالة نفيسة وعقلية، لان الأمن تدخل فيه عناصر روحية وأخلاقية، ويتأثر بالدين والثقافة والتقاليد وغيرها من العناصر التي تشكل الفرد والجماعة، ولعل من أهم المشاكل التي تؤثر في الإنسان ذهنيًا ونفسيًا، مشكلتي الجوع والخوف، دعنا نتأمل قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، الذي أنزل ذريته بواد غير ذي زرع، فشعر بانتفاء الأمن في ذلك الموطن ودعا ربه: {ربّ اجعل هذا بلدًا آمِنا وارزُق أهلهُ من الثّمراتِ من آمنَ منهُم باللهِ واليومِ الآخر} (9) . وقد امتن الله تعالى على قريش بأن منحهم نعمتي الطعام والأمن، فقال سبحانه: لإيلفِ قريش. إلفهم رِحلةَ الشّتِاءِ والصيّفِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت