فليعبُدُوا ربّ هذا البيت. الّذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (10) . ويضرب الله لنا مثلًا آخر يرتبط فيه الأمن والاطمئنان بالجوع والخوف والظلم، إذ يقول: {وضربَ اللهُ مثلًا قريةً كانت آمنة مُّطمئنة يأتيها رزقُها رغَدًا من كُل مكان فكفَرت بأنعُم اللّهِ فأذاقَهَا اللّهُ لِباسَ الجوعِ والخَوَفِ بِما كانوا يصنعُون} (11) . ومع تطور الحياة وأساليبها استُحدثت مسمياتٌ كثيرة للأمن، مثل: الأمن القومي، والأمن الجماعي، والأمن الإقليمي، والأمن الدولي. كما برزت مفاهيم جديدة مع اختراع أسلحة الدمار الشامل، فصرنا نسمع عن توازن الرعب- أو تبادل الرعب- وعن استراتيجيات الردع وسباق التسلح، فيبدو، لأول وهلة، أن هناك تناقضًا في أسلوب تحقيق الأمن بواسطة الخوف، ويبدو هذا المنطق شبيهًا بمنطق أبي نواس:
دَع عنكَ لومي فإنّ اللومَ إغراءُ ... وداوني بالتي كانت هي الدّاءُ
إنّ أسلوب الرعب، في واقع الأمر، أسلوب غريزي، وإننا لنشاهده يوميًا لدى الطيور والحيوانات، حين تضخم ريشها، أو تنفخ أوداجها، أو تفرد أجنحتها، وهي أساليب غريزية لإظهار القوة كيلا تحتاج إلى استخدامها. كما نشاهد ذلك في عالم الإنسان، حين تستخدم بعض دور العرض الجماهيري في خدمتها حراسًا مفتولي العضلات بقصد الردع النفسي لمن تحدّثه نفسه أن يخل بالأمن. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «نُصرتُ بالرُّعب مسيرة شهر» ، ويفهم من هذا الحديث الشريف أن إظهار القوة للأعداء يُعدُّ من عوامل النصر عليهم. وإذا قرأنا هذا الحديث مع الآية: {وأعدُّوا لهُم ما استطعُتم من قُوة ومن رّباطِ الخيلِ ترهبونَ به عدوّ اللهِ وعدوكُم وآخرين مِن دونهِم لا تعلمونُهم اللهُ يعلمهُم} (12) ، يتضح ما لإعداد القوة، وإظهارها من أثر في إخافة العدو. وقد قاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه بضعًا وعشرين غزوة، قاتل العدو في تسع منها، وفر المشركون في تسع عشرة غزوة دون قتال. وفي العام الثاني لموقعة مؤتة- في السنة التاسعة الهجرية- قاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه غزوة تبوك، فأظهر قوة المسلمين للروم، ثم عاد إلى المدينة المنورة، فكان لتلك الغزوة أثرها المعنوي السلبي في الروم وحلفائهم الغساسنة.
الأمن القومي:
يختلف مفهوم الأمن القومي من دولة إلى أخرى، تبعًا لقوة اقتصاد الدولة وآلتها الحربية وأهميتها السياسية والاستراتيجية، وغير ذلك من العوامل. ولكن ما تعارفت عليه الدول هو أن حدود الأمن القومي للدولة تجسدها الحدود السياسية والطبيعية لتلك الدولة، وهذه الصيغة أفضل من الصيغة التي تحدد مجال أمن دولة ما، بالمدى الذي تصل إليه مدافعها وأسلحتها، وهي صيغة سادت في الماضي ثم بادت بقيام عصبة الأمم ثم هيئة الأمم من بعدها. ولكن من المؤسف أن الصيغة القديمة بدأت تُطل برأسها من جديد، إذ نرى في عالم اليوم أن بعض الدول تعتبر أن حدود أمنها القومي تشمل العالم أجمع، ويحدث هذا، عادة، عندما تنفرد دولة ما بالسيادة، فعتبر نفسها- ويقر لها آخرون بذلك- الدولة الأعظم في العالم. ومثل هذا الاعتقاد هو أخطر الصيغ على الأمن والسلم الدوليين، لأنه يؤدي إلى التدخل في شؤون الآخرين وملاحقتهم إلى الحد الذي يمكن أن ينجم عنده انفراط أمن المجتمع الدولي. والدول عادة توازن موازنة دقيقة بين أمنها القومي وحدوده من جهة، والتعايش السلمي مع الآخرين وعدم المساس بأمنهم القومي وحدوده من جهة أخرى.
ولعل أسباب كثير من التوتر والحروب والصراعات بين الدول مردُّها إلى الطموحات غير المشروعة، والاعتقادات غير المبررة التي تؤدي إلى التعدي على الآخرين وظلمهم.
وتلجأ كثير من الدول إلى صيغ مختلفة لتعزيز الأمن، مثل إبرام الاتفاقات الدفاعية والأمنية، وعقد الأحلاف العسكرية ومعاهدات عدم الاعتداء، واتفاقيات تبادل المعلومات، وغير ذلك، بينما تلجأ بعض الدول إلى عزلة إقليمية كصيغة من صيغ الحفاظ على الأمن القومي. ومهما اختلفت الطرق التي تنتهجها الدول فإن الهدف واحد، هو: الحفاظ على المصالح العليا.
ويقول هارولد براون- أحد وزراء دفاع الولايات المتحدة السابقين-: إن الأمن القومي هو: (القدرة على صياغة وحدة الأمة ووحدة أراضيها، والحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع دول العالم بشروط معقولة) .
ويقول غيره بأن الأمن القومي هو: (قدرة الدولة على حماية كيانها ضد الأخطار الماثلة أو المحتملة، وقدرتها على حماية مجموع مصالحها القومية، وإدارة مواردها بما يحقق الأهداف القومية من أجل رفاهية الشعب) .
وفى تراثنا الإسلامي شواهد كثيرة تُدَلل على مشروعية المعاهدات والأحلاف، والاتفاق على التعايش السلمي، قال تعالى: وأذانٌ مِن اللّه ورسُوله إلى النّاس يومَ الحجّ الأكبر أنّ اللهَ بريءٌ مّن المُشركينَ ورسولُهُ فإِن تبتُم فهُو خيرٌ لّكُم وان توليتُم فاعلمُوا أنّكم غيرُ معجزي اللّه وبشّر الّذين كفرُوا بعذاب أليم. إلا الّذين عاهدتُم من المشركينَ ثمّ لم ينقصوكُم شيئًا ولم يظاهرّوا عليكُم أحدًا فأتمُّوا إليهم عهدهُم إلى مدتهِمِ إن اللّه يُحب المُتقينَ. فإذا انسلخَ الأشهُرُ الحُرُمُ فاقتلُوا المُشركين حيثُ وجدتموهُم وخذوهُم واحصروهُم واقعدُوا لهُم كلّ مرصد فإن تابُوا وأقامُوا