الصفحة 43 من 90

الفصل الثاني

تدابير حفظ الأمن الخارجي

من البديهي أن الدول تبتعد عن مهددات الأمن الخارجي، بقدر ما تتمتع به من إدراك تلك المهددات، ثم بما تنتهجه من تدابير لصون ذاتها من المكر الخارجي. وفي الأسطر التالية حديث عما يفترض الاعتداد به من تلك التدابير.

أولًا: تماسك الجبهة الداخلية:

إن قوة الجبهة الداخلية وتماسكها ووحدتها، من أهم العوامل التي تنهزم أمامها التحديات الخارجية.

ولا يتحقق تماسك الجبهة الداخلية إلا إذا تمتع المجتمع بالحرية، والعدالة الاجتماعية، واستشعر القدوة الحسنة في حكامه، منهجًا وسلوكًا وأداء. فالمجتمع الذي ينعم بالوحدة ـ وحدة الولاء لقيمه ـ يتملكه استعلاء على العقائد والقيم التي يحاول العدو أن ينشرها بتشويهه القيم الأصيلة في المجتمع، لذا تذهب محاولات العدو أدراج الرياح، فلا يجد في مجتمع كهذا، من يرضى بموالاته: عمالة أو إعجابًا أو رهبة، بل سيجد من يعتبر موالاة العدو خروجًا عن الدين وخسرانًا مبينًا، يقول الله تعالى: {يأيُّهَا الذينَ آمنُوا إن تطيعُوا الذينَ كفرُوا يردوكُم علَى أعقابكُم فتنقلبُوا خاسرينَ} (101) .

وقوة الجبهة الداخلية تقتضي معالجة الإخفاقات والمشاكل الاقتصادية والسياسية وغيرها من المنغصات التي ينفذ منها العدو. فالحرب النفسية التي يشنها الأعداء تجب مكافحتها بسياج من الثقافة الوطنية والدينية يحمي المواطنين، وبإعلام صادق وفاعل يمدُّ المواطن بالمعلومة الصحيحة، بأسلوب علمي رصين، فالعدو ـ الذي يلاحقنا ـ مصمم على أهدافه ومزود بأكفأ الإمكانات. {ولَن ترضَى عنكَ اليهودُ ولا النصارَى حتَّى تتبعَ ملتهُم قُل إنَّ هدَى اللهِ هوَ الهدَى ولئنِ اتبعتَ أهواءهُم بعدَ الذِي جاءكَ منَ العلمِ مَا لكَ منَ اللهِ ولي ولا نصير} (102) .

ومن العوامل التي تساعد على الصمود والاستقلال، بث روح العمل والإنتاج، وتوفير وسائله ـ وهذا من مؤشرات التماسك الداخلي ـ لئلا تستدعي الحاجة المساومة والخضوع.

ثانيًا: العلاقات الخارجية الرشيدة:

صار «النموذج الرشيد» أحد أهم مناهج تحليل السياسة الخارجية في أيامنا هذه، بعد التراكم المعرفي الهائل الذي أحدثته مناهج سابقة، مثل نموذج اتخاذ القرار، ونموذج التكامل، ونموذج المصلحة الوطنية، وسوى ذلك من المناهج.

ويقترب «النموذج الرشيد» في المنهجية الغربية، إلى حد التطابق مع منهج المصلحة الوطنية، الذي يحدد «رشد» السياسة الخارجية بدرجة تمثيلها تلك المصلحة، دون أدنى اعتبار إلى الوسائل المستخدمة في ذلك، حسنت أم أساءت.

ونحن هنا، مع تأكيدنا أن السياسة الخارجية يمكن أن تشتمل حقًا على نموذج «رشيد» في التخطيط والأداء والخارجي، فإننا لا نوافق المنهجية الغربية فيما تفترضه في هذا المنهج من وقوف عند حد المصلحة الوطنية الضيقة، أو إتباع أساليب جائرة في سبيل إقرار تلك المصلحة. فالرؤية الإسلامية ـ بأبعادها العالمية ـ تعتمد «الغاية» ، و «الوسيلة» كلتيهما، لتحقيق فحوى «الرشد» كما أنها ـ إضافة إلى ذلك ـ تعتمد على دعائم راسخة في هذا المسار، نعرضها، تفصلًا، كما يلي:

العدل:

أن السياسة الخارجية لدولة تدين بالإسلام، ينبغي أن تكون سياسة خارجية رشيدة تتسم بالعدل والاستقامة وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وان تتعامل معهم باحترام متبادل، وان تتعاون معهم لتحقيق كل القيم الخيرة من حرية وسلام وعدل وتنمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت