الصفحة 64 من 90

الفصل الثالث

عناصر الدولة والأمن القومي

إن من بديهيات علم العلاقات الدولية، الاحتكام إلى عدد من المؤتمرات، بوصفها المحددات الرئيسة لمدى قوة الدولة أو ضعفها. فكل دولة تسعى إلى معرفة عناصر قوتها لتعزيزها، ونقاط ضعفها لتتلافى القصور، ليس هذا فحسب بل إن الدول لتسعى إلى معرفة نقاط القوة ونقاط الضعف لدى الآخرين، لرسم وتخطيط سياسة أمنها القومي في السلم والحرب. وقد أجمع المختصون بشؤون الأمن والاستراتيجية على ضرورة دراسة أهم هذه المؤثرات وتحليلها، ونعرضها هنا على النحو الآتي:

المؤثرات الجغرافية:

إن للمساحة، والموقع، تأثيرًا هائلًا على الدولة من حيث قدرتها على الدفاع عن نفسها والتوزيع الاستراتيجي لقواتها. ويبدو ذلك جليًا في حالات العدوان الخارجي، والاضطرابات الداخلية، ومكافحة التهريب وغير ذلك من الواجبات الأمنية. كما يؤثر الموقع في التماسك السياسي، وفي اقتصاد الدولة: من حيث الإنتاج والتصدير والاستيراد.

ولحجم الدولة وموقعها تأثيرهما في البنيات الأساسية، كالطرق والمطارات ووسائل الاتصال، وشكل الإدارة، وطريقة التعاون بين المدن والأقاليم المختلفة. ويؤثر الموقع كذلك في علاقة الدولة بالدول المجاورة، سواءٌ في مجالات التعاون أو مجالات التنافس والصراع، خاصة وان استراتيجيات الدول الكبرى تنطلق من إدراك كبير لقيمة المواقع الاستراتيجية في العالم والمعابر المهمة المؤدية إليها كالبحر الأحمر، والبحر المتوسط، والخليج العربي، وكلها ممرات مائية يلي العالم الإسلامي منها نصيب لا يدانى في إمكانية جعلها ممرات آمنة تفيض فوائدها وثمراتها عن حدود المسلمين، إلى رحابة العالم كله.

وللتضاريس الطبيعية أهمية بالغة في الأمن القومي، فالجبال والصحارى والوديان والغابات والأنهار، كلها يمكن الاستفادة منها كمناطق استراتيجية لإقامة المنشآت الحيوية، حتى يسهل الدفاع عنها. والتمتع بالموانع الطبيعية يقلل من الاعتماد على نشر القوات المسلحة، ويجعل من نقاط المراقبة بديلًا ناجعًا للتغطية والإنذار المبكر، وتحديد أضعف النقاط للانطلاق بالهجوم منها.

وللمناخ والتربة ـ وهما من المعطيات الجغرافية الأساسية ـ أثرهما الجلي في الإنتاج الغذائي، والنشاط البشري.

ولقد كان العلامة العربي عبد الرحمن بن خلدون من أوائل الذين تنبهوا لتأثير المناخ في العمران والحضارة، من منطلق مشاهداته الأقاليم الباردة والحارة، وملاحظته نمط الإنتاج فيها.

ولفصول السنة، كذلك، أهميتها الأمنية، إذ يحتمل أن يمارس فيها العدو ـ الخارجي أو الداخلي ـ ضغوطًا عسكرية أو اقتصادية، مستغلًا مواسم الجفاف أو مواسم هطول الأمطار في القيام بعدوانه.

وإضافة إلى تلك المؤثرات، تبرز قيمة الموارد الطبيعية بما تشمله من أنواع المعادن، ومصادر الطاقة، وليس بخاف أن الضغوط على الدولة ـ أية دولة ـ تقل باطراد مع تعاظم مواردها الطبيعية، فيما لو أحسنت الدولة استغلال تلك الموارد.

المؤثرات السكانية:

يعد عنصر السكان من أكثر العناصر تأثيرًا في الأمن القومي للدولة خاصة وانه العنصر المباشر في إفرازه النوازع البشرية التي تشكل تاريخ المجتمعات.

ويعتبر سكان أية دولة عاملًا فعالًا في حفظ الأمن القومي، من منطلق تجانسهم وتماسك أعراقهم وثقافاتهم، وعلى العكس من ذلك الدول التي تعاني من تمزق التركيبة السكانية، وتنافر هويات المواطنين ومنازعهم، يشاهد ذلك بوضوح في الدول التي تعصف بها الحروب الأهلية والإحن والثأرات.

ويتداخل عنصر السكان مع غيره من عناصر الدولة، فيتبدى جليا في الدول ذات التعداد السكاني الكبير والأوعية الاقتصادية الضيقة، حيث يسود الفقر والمجاعات وتكثر الهجرات الداخلية والخارجية ـ تبعًا لذلك ـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت