يحوز هذا الكتاب عناصر تفرّده من: موضوعه، ومصادره، ومؤلَّفه، ليستقيم له التّميُّز على دعائم ثلاث هي مناط الجدَّة في كل عمل مقروء.
فموضوعًا: يضطلع هذا السفر القيم بِشَغل فراغ في المكتبة العربيّة طال أمده، إذ نحن لا نعهد في الكتابات المعاصرة عرضا لأمر الأمن والمخابرات من وجهة النّظر الإسلاميّة، وما ذالك إلا لتهيّب البعض من التّطرق لموضوع تجفل الأقلام من مقاربته لما يشتمل عليه من مظانّ وشبهات، أو لانتفاء الخبرة التطبيقيّة عمّن يولون هذه القضّية اهتمامًا نظريًا، أو لضعف في الاستعداد الفكري لدى آخرين اكتسبوا مرانًا طويلًا في المجال الأمني.
وخروجًا على كل تلك المثبطات، يقدم هذا الجهد في ثناياه: عرضًا علميًا موضوعيًا للمفاهيم الأمنية وأدواتها وإجراءاتها- موعيةًّ بالرؤية الإسلاميّة- كما يتيح مُرشدا فريدًا للبعثات الدّبلوماسية، هو- دون أدنى تردُد- إضافة قيمةٌ لنظرية الأمن الخارجي.
أما مصادر الكتاب، ففيها من تعدُد المضامين، ما جعل إيماضاتها تتيح للتّناول أن يكون سياحةٌ فكريةً: فمن أُمهات كتب الشّرع الإسلامي، إلى مؤلفات حديثة في الحرب والمخابرات وتكنولوجيا الاتّصال، إلى فرائد التُراث الأدبي العربي: ترى من كان يظن أن سطورًا في الأمن والمخابرات، سيشغفها الاستدلال بشعر المتنبي ولطائف ابن خلكان؟! .. إنها طرافة التّناول.
والحقّ، أن كلّ ذلك ما كان لُيجدي، لولا أن أُتيح له مؤلفٌ اجتمع له من طول المراس العسكري والأمني والدبلوماسي، مثيل ما اجتمع له من سعة الثّقافة النظريّة، لينعم بثقة القارئ وهو يجيل الطّرف والفكر في مؤلّفه.
ومركز الدراسات الاستراتيجية حين يرعى جهدًا كهذا، إنما يسير على نهج ارتضاه: أن يُشرع للقرّاء نوافذ ظلت موصدةً دونهم حقبًا، بدعوى السرية والخصوصيّة، بينما هي من صميم العلم الذي هو حقٌّ للجميع.
مركز الدراسات الاستراتيجيّة