الفصل الأول
مفهوم المخابرات وأهدافها
إنً غريزة حب البقاء لدى الإنسان وتوقه إلى الخلد والسّلطة والجاه، يدفعانه إلى البحث عمّا يحققها، والى توقع ما يخبئه المستقبل من مهددات بقائه وسلطانه وجاهه، ليدرأ ما يهدده.
وقد كان مدخل الشّيطان ـ عدو الإنسان الأول ـ هو الوسوسة إلى آدم وزوجه، بأنه يعرف ما يمكنهما من الخلد والملك الذي لا يبلي، وفي هذا دليل سبّاق على مكانة الخلود والسّلطة في النّفس البشرية {فوسوسَ إليه الشيطانُ قالَ يا آدمُ هل أدلكَ على شجرةِ الخلدِ وملك لا يبلَى} (113) .
ولقد ظل الإنسان منذ أقدم العصور يسعى إلى جمع المعلومات عما حوله من القوى الطبيعية والحيوانات، والقبائل المجاورة، والجماعات المنافسة له والمتخاصمة معه، ثم تطور الأمر إلى تحليل المعلومات والظواهر وتقويمها لتقدير ما يمكن أن يحدث في المستقبل. وبالطبع فان مصادر جمع المعلومات كلما كانت موثوقة، وطريقة تحليها وتقويمها خالية من الغرض والهوى، جاءت الاحتمالات أقرب إلى الواقع.
وتحدثنا كتب السيرة النبوية عن قصة الوليد بن عقبة الذي ابتعثه الرسول - صلى الله عليه وسلم - على صدقات بني المصطلق، فرجع ليقول للنّبي - صلى الله عليه وسلم: إن بني المصطلق جمعَت لكَ لتقتلك، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - مصدرًا ثقة هو خالد بن الوليد للوثوق من الخبر، فعاد ابن الوليد مؤكدًا أن القوم متمسكون بدينهم، ويقول المفسرون، إن الآية الكريمة: {يا أيها الذين آمنُوا إن جاءكُم فاسقٌ بنبأ فتبينُوا أن تصيبُوا قومًا بجهالَة فتصبحُوا علَى ما فعلُتم نادمِين} (114) ، إنما نزلت في هذه الواقعة. وفي السيرة النبوية أمثلة نابضة تشير إلى اهتمام المسلمين ـ باكرًا ـ برصد تحركات العدو، ونقل المعلومات المفصلة عنه، ثم الانقضاض عليه بثقة واقتدار مشهودين.
فقد حدثتنا السيرة عن خروج الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع بعض أصحابه يتعرف على أخبار قريش (فلقي سفيان الضمري، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من الرّجل؟ فقال: بل من أنتم؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فأخبرنا ونخبرك، قال: وذاك بذاك؟ قال النبي: نعم، قال سلوا عمّا شئتم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فأخبرنا عن قرش، فقال: بلغني أنهم خرجوا في يوم كذا وكذا من مكة فان كان الذي أخبرني صادقًا فهم اليوم بمكان كذا وكذا ـ أو فإنهم بجنب هذا الوادي ـ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فأخبرنا عن محمد وأصحابه، قال: خبرتُ أنهم خرجوا من يثرب يوم كذا وكذا فإن كان الذي أخبرني صادقًا فهم بجانب هذا الوادي، قال الضمري: فمن أنتم؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء، وأشار بيده نحو العراق فقال: من ماء! أمِن ماء العراق؟ ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه، ولا يعلم أي من الفريقين بمنزل صاحبه) . واستجوب الرّسول - صلى الله عليه وسلم - غلمانًا من قريش، فأخبروه أن قريشًا خلف هذا الكثيب، وأنهم ينحرون يومًا عشرًا ويومًا تسعًا، وأعلموه بمن خرج من مكة فقال - صلى الله عليه وسلم: «القوم بين الألف والتسعمائة» ، قال: «هذه مكة ألقت إليكم أفلاذ أكبادها» .
وتحدثنا السيرة النبوية عن العديد من السرايا والبعوث والغزوات، منها سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر لاعتراض عير قريش، وسرية عبد الله بن الحارث لمفاجأة المشركين على ماء يقال له: أحياء من بطن رابغ، وسرية سعد بن أبى وقاص، وغيرها من السرايا، التي كان منها ما يجمع المعلومات، ومنها ما كان لمباغتة العدو وأسره، أو لفظ تجمعات العدو وتفريقه.
وقصة أخرى: عندما وردت المعلومات عن أنّ بني قريظة قد نقضوا العهد فأرسل الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبد الله ابن رواحة، وخوان بن جبير، وقال لهم: «إن وجدتم ما بغلنا منهم حقًا فألحنوا لي لحنًا أعرفه ولا تفتوا في عضد المسلمين، وان كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس» . إنّ في تفاصيل هذه القصة من دقة التعبير وتوخي الحذر ما يكشف عن قدرات هائلة من الدراية بفن العمل الإستخباري.
تعريف الاستخبارات:
المخابرات ـ وكثيرًا ما يُطلق عليها «الاستخبارات» ـ هي الخطوات المدروسة لجمع شتى المعلومات بكافة الوسائل الميسرة، ثم فرزها وتصنيفها، وتحليلها، ثم إرسالها للجهات المناسبة، في الوقت المناسب، لتعيينها في وضع الاستراتيجيات، ورسم السياسات، واتخاذ القرارات الصائبة لحماية الدولة من أخطار الأعداء.
ويتضح من هذا التعريف أنّ هناك خمس مراحل تشتمل عليها العملية الإستخبارية هي: الجمع، فالفرز، فالتصنيف، فالتحليل ثم التوزيع. ومراحل الفرز والتصنيف والتحليل هي مراحل متصلة ومتناسقة، ولا يتم أي منها بمعزل عن الأخريات. وسوف نشرح كل مرحلة من هذه المراحل على حدة.