الصفحة 80 من 90

الفصل الرابع

الحرب النفسية

«الحرب النفسية» ، هي التطبيق العلمي، المنظم والمخطط، للدعاية النفسية، بشتى الوسائل، سواء منها الإذاعات، أو النشرات، أو الصحافة، أو الصور، أو التحالفات العسكرية ومناورات الجيوش، أو عقد المؤتمرات وإشاعة الشائعات، وغير ذلك من الوسائل التي تبغي التأثير في أفكار شعوب الدول المعادية أو المحايدة أو الصّديقة.

وتُوجه الحرب النفسية ضد الفكر والعقيدة والثقة، وهي حرب دفاعية وهجومية في آن واحد، لأنها ترمي ـ داخليًا ـ ببعدها الدفاعي: إلى بناء معنويات الشّعب والجيش، وتحصينها في مواجهة شائعات العدو ودعايته، وهي ـ ببعدها الهجومي ـ تهدف إلى تحطيم معنويات شعب العدو وجيشه، والتشكيك في قدراته وتفتيت وحدته الوطنية، وغرس بذور الخوف والتذمر والانحلال والخيانة بين أفراده.

وان أهمّ ما تتقصده الحرب النفسية ـ بالتخذيل ـ هو الروح المعنوي، والفكر والعقيدة، لذا فان القرآن الكريم لا ينفك يحدثنا عن صور شتى من الحروب النفسية بين الرسل وأعدائهم، ومنها ما افتعله الأعداء الكافرون من شائعات وأخبار كاذبة ضد المسلمين، وكل ذلك ينبئ عن وعي قديم لدى البشرية بأن الحرب النفسية واحدة من أفتك الأسلحة على مر الحقب والأزمان، ويعضد هذه الفحوى الصراع الدائر بين الحق والباطل منذ الأزل.

وفى السطور القادمات سنتحدث عن أهم أساليب الحرب النفسية، وهي: الشائعة، والدعاية، والحصار الاقتصادي.

الشائعة:

الشائعة، هي خبر ينشر كي يصدقه السامع، وينتقل، غالبًا، من شخص إلى آخر شفاهة، ولا يعرف ـ عادة ـ مصدر الشائعة وهي تحوى، أحيانًا، جزءًا يسيرًا من الحقيقة، مضافًا إليه كثير من الكذب.

والشائعة أداة من أدوات الحرب النفسية، وهي ظاهرة اجتماعية قديمة، عرفتها المجتمعات منذ سحيق الأزمان فهنالك ـ دائمًا ـ مروجون للشائعات، سماهم القرآن (المرجفون) أي المشيعون الأخبار الكاذبة: {لَئن لّم ينتهِ المنافقونَ والذينَ في قلوبهِم مرضٌ والمرجفونَ في المدينة لنغرينكَ بهم ثمَ لا يُجاورونكَ فيها إلا قليلًا. ملعونينَ أينمَا ثفقُوا أخذُوا وقتلُوا تقتيلا. سنة اللهِ فِي الذينَ خلَوا مِن قبلُ ولنَ تجِدَ لسنةِ اللهِ تبديلا} (135) .

والمرجفون لا يتورّعون عن نشر شائعاتهم حتى في شأن الله عزّ وجل!! فقد أخرج قتادة، قال: «قال ناس من المنافقين: إن الله صاهر الجن فخرجت من بينهم الملائكة، فنزل فيهم قولهم تعالى: {وجعلُوا الملائكةَ الذينَ هُم عبادُ الرحمنِ إناثًا أشهدُوا خلقُهم ستكتبُ شهادتهُم ويسألونَ} (136) » .

وعندما شاء الله أن تُنجب مريم عيسى، عليه السلام، من غير أب، أشاع اليهود وطوائف أخرى من النصارى ما يشكك في ذلك، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا أحد أصبر من أذى سمعه من الله أنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم وليًا فيهم» .

ومن وقائع الشائعات الشهيرة في التاريخ ما أشاعه المنافقون واليهود إفكًا، عن السيدة عائشة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ وقد كان مبتغاهم أن يزلزلوا مجتمعًا اتسم بالعفة والصّون، وأن ينالوا من النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - في أهل بيته الأشرفين، فنزل القرآن فاضحًا كذبهم وإفكهم: {إنّ الذينَ جاءُوا بالإفكِ عُصبةٌ منكُم لا تحسبوهُ شرًا لكُم بل هوَ خيرٌ لكُم لِكلّ امرئ منهُم ما اكتسب مِن الإثمِ والذِي تولّى كبرهُ منهُم لهُ عذابٌ عظِيم} (137) ، وقد كانت هذه الواقعة عبرة بليغة للمسلمين، ولقد أصبحت منهاجًا في كيفية محاربة الشائعات.

كيف تبدأ الشائعة:

يكتنف الغموض دائمًا بداية الشّائعة، لاستحالة معرفة مصدرها. وتكون الشائعة دائمًا عن موضوع خطير يهم السامعين، فيتناقلها النّاس وتتغير الرواية ـ بقصد أو بغير مقصد ـ ثم تسرى إلى أن تبلغ حدًا من الخطورة قد يشكا تهديدًا لأمن البلاد.

وفى هذا العصر تطورت الشائعة، وأصبحت علمًا له متخصصون يصوغونه، وآخرون منهم يتولون محارته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت