الفصل الأول
تعريف الجاسوسية
يعتبر التجسس من أقدم الأنشطة الإستخبارية التي مارسها الإنسان. فكتب التراث العالمي التي بين أيدينا تفصح عن مقدرات فطرية في مجال التجسس، شهدتها منذ سحيق الأزمان أروقة السياسة، وبلاطات الأباطرة والأكاسرة، ومنتجعات النبلاء، وميادين الحروب التي ما فتئت البشرية تزيدها كل يوم اتساعًا على اتساعها.
وقد تطور التجسس في عصرنا هذا، وأصبح من الممارسات اليومية التي تعتمد عليها الدول في حماية أمنها، وتطوير صناعاتها، بل وفي التعامل مع أصدقائها. وتتجسس الدول اليوم على منافسيها، فتجمع المعلومات السرية والعلنية عن مصادر القوة ومواطن الضعف لديهم: في السياسة والاقتصاد، وعن درجة الوعي والروح المعنوي في المجتمع، وحركة الجند، والقوة العسكرية، وعن تجمعات الدول الصديقة وتحالفاتها، وإلى أي مدى تتكامل المصالح ـ أو تتناقض ـ ساعة يحين التحالف بين دولتين صديقتين ضد طرف ثالث.
ولقد أصبح التجسس أكثر خطرًا، بتأثير التقدم التقني، الذي وفر أجهزة ومعدات غاية في الدقة، وصغر الحجم، ودرجة الكفاءة في التصنت، والاستشعار من بُعد.
وبما أن الدول الكبرى تحوز اليوم ـ وحدها ـ قصب السبق في عالم التجسس ومعداته، لتجسد خطرًا على العالم الإسلامي لا تخطئه عينٌ، فان على الدول الإسلامية وضع الخطط البصيرة بتبديد مخاطر التجسس، في عالم يمور بالمكر والدهاء، ويموج بالكراهية والثأرات.
الجاسوسية لغة:
التجسس: هو اللمس باليد، وجس الخبر: أي بحث عنه، وتجسس الأمر: أي تفحصه وتطلبه وبحث عنه. والتجسس: هو التفتيش في بواطن الأمور، كما يفعل الطبيب المداوي، ويقال: جس الأرض جسًا: وطئها. ومنه قول المتنبي في وصف الأسد:
يطأُ الثرى مُترفقًا في تيهه *** فكأنه آس يجسُّ عليلًا
وجاء في لسان العرب: أن الجساس هو الأسد، لأنه يؤثر في فريسته ببراثنه. والتحسس (بالحاء) ، هو أيضًا طلبُ الأخبار والبحث عنها. وهو بنفس معنى التجسس. وقيل: أن التجسس (بالجيم) أن يطلب المعلومة لغيره و (بالحاء) أن يطلب المعلومة لنفسه. وقد جاء في التنزيل الحكيم {ولا تجسسُوا} (120) ، أي لا تبحثوا عن عورات المسلمين. كما ورد في قوله تعالى: {يا بنيَّ اذهبُوا فتحسسُوا مِن يوسفَ وأخيهِ} (121) .
الجاسوسية اصطلاحًا:
التجسس: اصطلاحًا، هو: البحث والتنقيب عما يتعلق بالعدو، من معلومات سرية باستخدام الوسائل السرية والفنية، ونقل ذات المعلومات بذات الوسائل، أو بواسطة العملاء والجواسيس، والاستفادة منها في إعداد الخطط.
أما الجاسوسية قانونًا، فهي: العمل سرًا وبادعاء وهمي للاستيلاء ـ أو محاولة الاستيلاء ـ على معلومات سرية بقصد إبلاغها إلى جهة معادية.
وقد نصت اتفاقية «لاهاي» لعام 1907، على محاكمة المتهم بالجاسوسية، والحكم عليه بما يتناسب مع ما قام به من جرم، وان بلغ الحكم حدَّ الإعدام. وعرف القانونُ الدولي العام الجاسوس بأنه: «الشخص الذي يعمل في خفية، أو تحت ستار مظهر كاذب، في جمع ـ أو محاولة جمع ـ معلومات عن منطقة الأعمال الحربية لإحدى الدول المتحاربة، بقصد إيصال تلك المعلومات لدولة العدو» . وقد وردت لفظة «الجاسوس» في اللغة العربية بمعنى «المعين» ، وربما يعود ذلك إلى أن مهام الجاسوس تعتمد كثيرًا على حاسة النظر، وهو ما ذهب إليه الإمام الشوكاني حين قال: (إن الجاسوس يسمى «عينًا» لأن عمله بعينه، أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها، فكأن جميع بدنه صار «عينًا» ) . ولو شهد العرب القدماء هذا الزمان وعاينوا ما وصلت إليه أجهزة التجسس والتحسس من تطور، لابتدعوا للجاسوس اسمًا غير العين يشمل الحواس الخمس كلها، يتعداها إلى ما هو فوق الإدراك الحسي.