الصفحة 69 من 90

التجسس من وجهة نظر القانون الدولي:

لقد نصت المادة «التاسعة عشرة» من لائحة «لاهاي» للحرب، على الآتي:

يُعدُّ جاسوسًا، ذلك الذي يعمل سرًا، أو من وراء ستار زائف، للحصول على معلومات في منطقة العمليات، بنية تبليغها الفريق الخصم. وطبقًا لذلك فان العسكريين ـ بزيهم الرسمي ـ حين يتسللون إلى منطقة عمليات جيش العدو، بغية الحصول على معلومات، لا يُعدُّون جواسيس، ومثلهم أولئك العسكريون الذين يُكلفون علنًا بمهمة تسليم مكاتبات إلى جيشهم، أو إلى جيش العدو، ويتضمن هؤلاء من تنقلهم السفن الجوية بغية تسليم مكاتبات، أو بغية المحافظة على الاتصالات فيما بين الأجزاء المختلفة من جيوش أو مناطق. واعتبارًا لما تقدم فان الفيصل هنا هو: «قصد الحصول على معلومات» .

ورغم اهتمامه البالغ، فان القانون الدولي لم يعالج الجاسوسية في زمن السلم، واكتفى بإلزام جميع الدول أن تحترم مناطق سيادة الدول الأخرى، وتأسيسًا على ذلك، فإن إنشاء الدول أجهزة مخابرات سرية للتجسس ومكافحة التجسس ـ داخل حدودها ـ مسموح به دوليًا في أوقات السلم كما في أوقات الحرب. وقد منح القانون الدولي كل دولة الحق في أن تسنن من القوانين ما يعالج ذلك، وان تطبق القانون على مواطنيها، وعلى الأجانب الذين يرتكبون جريمة التجسس، غير أنه يُستثنى من ذلك الدبلوماسي المعتمد لدى الدولة ـ وان قام بنشاط اعتبرته الدولة نشاطًا تجسسيًا ـ ولكن يمكن للدولة أن تعبر عن استيائها بطرده وإعلانه «شخصًا غير مرغوب فيه» ( persona non grata png) ، لأنه قام بعمل غير ودي، أو أن تطالب دولته بسحبه ـ دون إعلان ـ ولها أن تتركه: عملًا بالحكمة العربية القائلة بأن «الشيطان الذي تعرفه خيرٌ ممن لا تعرفه the devel you know ، وفي عرفنا الإسلامي لا خير في شيطان البتة، ولكن الجاسوس المتكشف يوفر وقتًا كبيرًا ينفق في تحديده منذ مرحلة الشك إلى مرحلة الاستيقان من انه جاسوس. ويلجأ بعض الدول إلى مساومة الدبلوماسي الجاسوس ليعمل عميلًا مزدوجًا، أو ليطلب اللجوء السياسي إذا كان الوضع في بلاده لا يشجعه على العودة.

رؤية إسلامية للتجسس

إن الأصل بين المسلمين ألا يتجسس بعضهم على بعض، قال تعالى: {يَا أيهَا الذينَ آمنُوا اجتنبُوا كثيرًا منَ الظنِ إنَّ بعضَ الظنِ إثمٌ ولا تجسسُوا ولا يغتَب بعضكُم بعضًا أيحبُّ أحدكُم أن يأكلَ لحمَ أخيهِ ميتًا فكرهتموهُ واتقُوا اللهَ إنَّ اللهَ توابٌ رحيم} (122) . وبهذا، فإن التجسس منهي عنه بنص القرآن، ولا يجوز للأفراد أو الدول ترصد أحد أو التلصص عليه.

والتجسس ـ كغيره من المحظورات في الإسلام ـ لا يُباح إلا للضرورة القصوى، فيباح إذا كانت الحاجة إليه ضرورة للدفاع عن حرمة أو درء خطر اكبر. أما الإطلاع على عورات الناس وخصوصياتهم، والتعدي على حرياتهم وأسرارهم الخاصة، فلا يجوز، مهما تذرعت الدول وأجهزتها بدعوى الصالح العام، وغيره من المبررات.

وقد تُضطر الدولة إلى اتخاذ نظام للرصد والرقابة والتجسس، لئلا يفاجئها العدو الخارجي المتخذ له جواسيس وعملاء لمعرفة الأسرار وتخريب المنشآت، وبث روح التخاذل والتمرد بين المواطنين. فمثل هذا النشاط الهدام يضطر الدولة المسلمة ـ حتمًا ـ لابتكار أساليب الرصد والمكافحة الناجعة في الوقاية من الفتن والعثرات. ولكن هذه الإجراءات يُشترط أن تكون محكومة بقوانين شرعية، تضبط حركة أفراد الأمن وأجهزته، وتحدد سلطاتهم، وإجراءاتهم، فلا تفتيش ولا اعتقال دون أمر قضائي شرعي، يراعي الحرمات والخصوصيات، فلا يروع آمنًا في مسكنه أو ماله أو عرضه، ولا يعاقب أحدًا ألا ببينة وتثبت أمام القضاء، قال تعالى: {يَا أيهَا الذينَ آمنُوا إن جاءكُم فاسقٌ بنبأ فتبينُوا أن تصيبُوا قومًا بجهالة فتصبحُوا علَى ما فعلتُم نادمِين} (123) وجاء في الحديث الشريف: «من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موؤودةً من قبرها» .

ويجوز للدولة إزاء العناصر المعادية والأجنبية ما لا يجوز لها إزاء المواطنين والرعية. فالتجسس على الأعداء عمل مشروع ـ مطلقًا ـ وهو ضرورة من ضرورات الحرب، ندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يؤديه من صحابته الإجلاء، كحذيفة بن اليمان، ونعيم بن مسعود، وعبد الله بن أنيس، وخوات بن جبير، وعمرو بن أمية، وسالم بن عمير، وغيرهم. وبذا، فان المسلمين مكلفون باستطلاع أخبار العدو ومواطن ضعفه، ومواقع آلياته، وحركة جنده، ويعتبر ذلك كله جهادًا في سبيل الله، يجزى فاعله خيرًا: {ولا ينالونَ مِن عدو نيلًا إلاَّ كتبَ لهُم بهِ عملٌ صالح} (124) .

أما التجسس غير المشروع فهو التجسس الساعي إلى فضح عورات الناس، وهتك أستارهم، أو المدفوع بالتشفي والحقد، أو النابع من حب الاستطلاع وحده. وقد جاء في الحديث الشريف: «أنك أن اتبعت عورات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت