الصفحة 71 من 90

الفصل الثاني

إجراءات مكافحة التجسس

أولًا: تماسك الجبهة الداخلية:

إن مقاومة التجسس تقضي بتوعية المجتمع ليكون كلُّ فرد فيه حذرًا ويقظًا بمخططات الأعداء، والمحافظة على الأسرار، وهي أماناتٌ، يقول الله تعالى عنها: {يَا أيهَا الذينَ آمنُوا لا تخونُوا اللهَ والرسولَ وتخونُوا أماناتكُم وأنتُم تعلمونَ} (125) . وكل هذا يستدعي أن تكون الجبهة الداخلية متماسكة، «بعضهم أولياء بعض» ، لا يوالون عدوًا، ولا يُسلمون نصيرًا، قال تعالى: {يَا أيهَا الذينَ آمنُوا لا تتخذُوا عدوي وعدوكُم أولياءَ تلقُونَ إليهم بالمودةِ وقَد كفرُوا بمَا جاءكُم مِن الحقِ} (126) وتماسك جبهة المؤمنين أمر رباني: {والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضهُم أولياءُ بعض يأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عن المنكرِ ويقيمونَ الصلاةَ ويؤتونَ الزكاةَ ويطيعونَ اللهَ ورسولهُ أولئكَ سيرحمهمُ اللهُ إنَّ اللهَ عزيزٌ حكيمٌ} (127) .

ولنا مثل أعلى في تعاضد المسلمين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ففي موقعة بدر ـ والنبي - صلى الله عليه وسلم - يستشير أصحابه ـ قال له المقداد بن عمرو «فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغمام لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه» . وقال سعد بن معاذ: «امض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، وأنا لصبرٌ في الحرب صدقٌ في اللقاء» . والمؤمنون ـ وهم يعتصمون بحبل الله ـ لا ترقهم الشائعات، ولا يُضعف عزمهم التخذيل والأراجيف: {الذينَ قالَ لهمُ الناسُ إنَّ الناسَ قَد جمعُوا لكُم فاخشوهُم فزادهُم إيمانًا وقالُوا حسبنَا اللهُ ونعمَ الوكيلُ} (128) . وقال تعالى: {ولمَّا رأَى المؤمنونَ الأحزاب قالُوا هذَا مَا وعدنَا اللهُ ورسولهُ وصدقَ اللهُ ورسولهُ ومَا زادهُم إلاَّ إيمانًا وتسليمًا} (129) .

ثانيًا: وقاية الثغور والنحور

وهو ما يختص بأمن الأفراد وأمن المنشآت وأمن المعلومات ووسائل الاتصال وكافة الإجراءات الأمنية التي تحقق الوقاية من تجسس الأعداء. وقد قال العرب قديمًا «الواقية خير من الراقية» . وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالوقاية والحيطة والحذر: {يَا أيهَا الذينَ آمنُوا خذُوا حذركُم فانفرُوا ثُبات أو انفرُوا جميعًا} (130) . وقد حرص الرسول الكريم ص على تحقيق الوقاية ووضع الجند في مواقعهم، وهو ما أشار إليه الكتاب المبين: {وإذ غدوتَ مِن أهلكَ تبوئ المؤمنينَ مقاعدَ للقتالِ} (131) .

ثالثًا: اكتشاف جواسيس العدو

تبدأ مرحلة اكتشاف الجواسيس بتلقي معلومات تثير الشك باحتمال تورط شخص ـ أو أشخاص ـ في شبكة تجسس، أو عمالة لصالح العدو. وتقوم أجهزة مكافحة التجسس، عادة، بوضع خطة لرصد وتحديد الأشخاص والأهداف المشتبه فيها، ويشمل ذلك: رصد المشتبه فيه، ومتابعة الأجانب الذين يقومون بأعمال كستار لأعمالهم التجسسية، مثل الستار الدبلوماسي أو التجاري، وغيرها من الأعمال، وغالبًا ما يرصد هؤلاء من واقع القضايا التي سبق أن تورطوا فيها في بلاد أخرى جرى طردهم منها أو محاكمتهم فيها. كما تجيب الأجهزة الأمنية عما إذا كان هناك تناقض بين ما يدعيه الجاسوس من عمل مشروع وبين ممارسته؛ انطلاقًا من الوقائع غير المتجانسة في نشاطه ـ كألا تتناسب السن مع الدرجة الدبلوماسية التي يتولاها، أو ألا ينُم عن تمرس بالموضوع أو المهنة التي يتخذها غطاء، أو لاهتمامه بمواقع المعلومات السرية في الدولة، أو لإقامته علاقات مشبوهة مع بعض العاملين في المواقع الحساسة ـ فأمثال هذه السلوكيات تضع الشخص في دائرة الشك، وتدفع إلى إخضاعه للتحري.

وبعد أن يوضع شخص ـ أو جماعة ـ في دائرة الاشتباه، تبدأ مرحلة من المراقبة والمتابعة اللصيقتين، وبحذر وافٍ، لئلا يشعر «الهدف» بأنه مراقب، وهو غالبًا ما يكون جاسوسًا ماهرًا ومدربًا على أساليب كشف المتابعة، أو أساليب تضليل فرقة الرقابة فلا يبدى ما يشعرهم بأنه يعلم مراقبتهم. وتُختتم عمليات المتابعة والمراقبة الناجحة بالقبض على الجواسيس متلبسين بجرمهم، لتبدأ مرحلة الاستجواب والتحري.

رابعًا: التحري والاستجواب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت