الحمد لله الذي أطعمنا من جوع وآمننا من خوف. والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وخاتم الأنبياء والمرسلين الذي أرسله الله أمنا للعالمين، وسلامًا.
أيها القارئ الكريم ...
إن ما لحق بالأمن والمخابرات من اتهام بالظلم والبطش والتسلط والإرهاب، يجعل المرء مكتفيًا بالتردد وهو يهمّ بنسبتهما إلى الإسلام. غير أني تجاوزت ما ساورني من هاجس كاد أن يكفني عن ابتداء البحث في هذا الموضوع، وما كان ذلك التجاوز إلا بدافع الانتصار لقيم الدين التي ما فتئت تحكم بضوابطها وقيمها قضية كالأمن والمخابرات.
وتقتضي الكتابة في شأن كهذا، إحاطة بنصوص الكتاب والسّنة، والأصول الشرعية الأخرى من إجماع وقياس، ومصالح مرسلة، والأصول الشرعية الأخرى من إجماع وقياس، ومصالح مرسلة، وضرورات تُقدّر بقدرها وفق الصّالح العام، والإحاطة بمثل هذا العلم شرفٌ لا أدعيه، ولكنّ علمي المحدّد بمقاصد الشّرع، وعلمي- المحدّد أيضًا- بقضايا الدّفاع، بوصفي ضابطًا سابقًا بالقوّات المسلحة، وتجربتي المتواضعة في مجال الأمن والمخابرات، كضابط سابق بالاستخبارات العسكريّة ورئيس لجهاز الأمن القومي، واحتكاكي بقضايا السّياسة العامة والسياسة الخارجية، أقول: من خلال هذا كلّه، ترسّخت لدىّ قناعةٌ تامّةٌ بأهمية الأمن والمخابرات، وزاد من هذه القناعة عندي، أنَّ كثيرًا ممّا يعانيه عالمنا الإسلاميٌّ، اليوم، من ويلات وآفات وشرور سببه النفوذ الخارجي، وأن رأس السّنان في نفوذ القوى الخارجيّة هو أجهزة أمنها واستخباراتها، وهذا لا يُبرؤنا من أن غالب ما يعانيه عالمنا الإسلاميّ هو بما كسبت أيدينا: بعد عن هدى الله، وموالاة لأعدائه، وبطرًا بنعمته التي لا تحصى، {ومَا أصابكُم من مُّصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفُو عن كثير} (1) .
وما أكتبه هنا، لا يعدو أن يكون جهد المقلّ، وأنى لآمل أن أرى بعد حين، لا يطول، رصيدًا هائلًا من هذا العلم مفصلًا تفصيلًا شافيًا، يجمع كلّ الأدلة، وينسّق أفكار كلّ المجتهدين، تطويرًا لممارسات أجهزتنا الأمنيّة وتعاليمها، ثم آمل أن ينمو لدى الشُعوب الإسلاميّة، قاطبةً، الحسُّ الأمنيُّ، لأنه أغلى ضمان للنجاة من النُفوذ الخارجي.
وبهذا المقصد، ينتفي الحرج عن الكتابة في هذا الموضوع الحسّاس، ذي الأهمية العالية: لا نُريد بذلك علوًا في الأرض ولا فسادًا، بل نرجو به وجه الله والآخرة.
اللهم تقبّله وانفع به.
وما توفيقي إلا بالله.
عليه توكّلتُ وإليه اُنيب.
علي نميري 1996