الصفحة 65 من 90

فتضعف القيم الأمنية. بينما يعتبر عدد السكان الكبير عاملًا مميزًا في الدول المتقدمة، لأنه يسند تلك البلاد بالموارد البشرية المتقدمة فيسود الإنتاج والعمران، وتقوى الروابط الأمنية بين أفراد المجتمع. كما يتداخل عنصر السكان مع العنصر السياسي، فيهب الدول شكلها القيادي وحدودها السياسية، ونمط الحكم فيها.

المؤثرات السياسية:

تجيء «الأفكار» في مقدمة المعطيات السياسية المؤثرة في الأمن القومي ـ ببعديه الداخلي والخارجي ـ وهو أمر منطقي، لأن الأفكار السياسية عُرفت ـ منذ القدم ـ بأنها المنبع الأول للتوجهات والأفعال السياسية.

وتنتج الأفكار السياسية آثارها في مجال الأمن القومي من منطلق اعتناق أفراد الأمة مقولاتها، ونهوضهم بتبعات تطبيقها في مقام الأداء السياسي. وفي الدول المتميزة باعتناق أبنائها أفكارًا سياسية متجانسة، يُعهد قدرٌ وافر من التجانس الفاعل في الرؤى والمؤسسات الأمنية، غير ان هذا البعد يتجسد ـ فقط ـ إذا كانت الأفكار السياسية أفكارًا مبدعة، متوائمة والبناء الاجتماعي للدولة، مواكبة التطورات فيه، وفي هيكل المجتمع الدولي، فإذا انتقى ذلك كله، تمسى الأفكار السياسية داءً ينخر في جسد المجتمع حتى يهترىء فتسقط الدولة، ما شاهدنا في كثير من أنحاء العالم، وعلى وجه الخصوص في أوروبا الاشتراكية، التي انهار الأمن فيها وخنقتها الحروب الأهلية مباشرة بعد انهيار الأفكار الشيوعية.

ثم يجيء ـ بعد الأفكار ـ دور «المؤسسات السياسية» ، التي يرتبط الأمن، وشيجًا، بنجاحها في تأطير الأفكار السياسية تنظيميًا، وبمقدرتها في تمثيل الحراك الاجتماعي، بمفاعلاته الروحية، والقبلية، والطائفية، وبنجاحها في تكوين أجيال جديدة، من الزعامات، وباستفادتها من المنظومات الجماهيرية، كجماعات الضغط، والرأي العام، والاتحادات، والنقابات، وبتماسكها في شؤون إدارة البلاد ـ مركزيًا أو لا مركزيًا ـ وفي اتخاذ القرارات الداخلية والخارجية.

وبرغم تقديمنا الحديث عن البعد الخارجي للأمن القومي، فان من الأهمية الحديث، هنا، عن السياسة الخارجية للدولة، بوصفها مناط تحديد الأهداف والتوجهات والأدوار، التي تشكل في مجملها رؤى الدولة وأنشطتها إزاء المجتمع الدولي، بوعي أمني يشمل مجمل القضايا التي تتعلق بالعنف الخارجي، والأحلاف، والأسلحة، وقضايا البيئة الدولية، سواء منها الاجتماعية: كالسكان والجرائم، أو الاقتصادية: كاتفاقيات التجارة الدولية، والمعونات، والديون والمصارف العالمية، أو المفاهيم السياسية: كمفهوم الإرهاب ـ مثلًا ـ وتباين النظرات إليه ـ أو القضايا البيئية: كسياسات حماية البيئة، وغير ذلك من القضايا التي يُرتجى، عادةً، من السياسة الخارجية للدولة أن تدركها، وتساهم بنشاط وحكمة في تشكيلها، وتفادي ما يُحاك فيها من مؤامرات ودسائس ربما أفضت إلى انهيار أمني في مجتمع الدولة.

المؤثرات الاقتصادية:

أن من أهم عناصر قوة الدولة، تمتعها بثروات اقتصادية وفيرة، وأداء اقتصادي فعال. ويبدو واضحًا أن ثمة فرقًا بين أن تحظى الدولة بثروات اقتصادية وأن تكون ذات ناتج اقتصادي ممتاز. وهذه التفرقة يقتضيها منظور الأمن للمتغيرات الاقتصادية المؤثرة فيه، إذ كلما جمعت الدولة بين الثروات الاقتصادية والأداء الفعال تقلصت عنها ـ إلى حد الانعدام ـ الضغوط الخارجية التي كان يمكن أن تهددها فيما لو حفلت بثروات اقتصادية دون أداء ناجز، كما هو مشاهد في كثير من دول العالم المتخلفة. وتقلُّ الضغوط الخارجية ـ ولكنها لا تنتفي ـ في حالة الدول الشحيحة الموارد، الناجحة أداءً، مثل اليابان التي تُذهل العالم بإنتاجها المعجز، ولكن سياساتها الداخلية والخارجية تتأثر كثيرًا بافتقارها إلى مدخلات الإنتاج من الموارد الطبيعية ـ كالمعادن والنفط ـ الأمر الذي اجبرها على المحاذرة في سياستها الخارجية استجابة لضغوط معروفة تتبعها إزاءها دولة كالولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.

ويردُ بعد ذا دور المؤسسات الاقتصادية التي يرتبط امن الدولة بأدائها، كما يرتبط بمدى قدرة الدولة على تخطى معضلات الفقر، وضغوط الديون الخارجية، وتجميد الأرصدة، والمنح والمعونات، التي تصفد اليوم خطى دول عديدة لم تستطع الفكاك من شباكها التي نسجتها القوى الاقتصادية الكبرى، سواء منها الوحدات الدولية الاقتصادية أو منظمات المجتمع الدولي السياسة، أو الشركات العظمى ـ كالشركات المتعددة الجنسية ـ التي صار بعضها بمثابة حكومات عالمية تملى شروطها وتفرض رؤاها وسياساتها على كثير من الدول الصغيرة في عالم اليوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت