والإسلام يدعو إلى احترام العهود والمواثيق مهما تعاظم الظلم السياسي والاقتصادي ومهما تطاول التعدي من الآخرين.
وحين يُشاهد المسلمون تفسيرًا لنصوص الميثاق يحابى بعض الدول القوية الظالمة، فعليهم مناهضته لا مجاراته: {يَا أيهَا الذينَ آمنُوا كونُوا قوامينَ للهِ شهداءَ بالقسطِ ولا يجرمنكُم شنآنُ قوم علَى ألاَّ تعدلُوا اعدلُوا هوَ أقربُ للتقوَى واتقُوا اللهَ إنَّ اللهَ خبيرٌ بمَا تعملُون} (103) .
والعدل في سياسة الدولة الإسلامية يقضي بعدم التحيُّز للعصبيات الإقليمية أو القطرية، بل يقضي بنصرة الحق والخير، والعمل على إصلاح الخلل، ورفع الظلم الناشب في النظام الدولي: {ولتكُن منكُم امةٌ يدعونَ إلى الخيرِ ويأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عنِ المنكرِ وأولئكَ همُ المفلحونَ} (104) .
وليس من العقل في شيء، السعي إلى نسف المؤسسات الدولية القائمة أو إلغائها، بل الحقيق بالاعتبار هو العمل من خلالها، ودعمها، والاحتكام إليها، والإصرار على فعاليتها وبسط سلطانها، ورفض التحكم في قراراتها.
الاستقلال:
لا منجى للدولة المسلمة في علاقاتها الخارجية من أن تتمسك بخصائصها وقيمها، وأن تحافظ على استقلالها وعزتها وكرامتها، وأن ترفض بإباء كل محاولات الإذلال، والضغوط التي تتعرض لها، مهما كانت الجهة التي تصدر عنها مثل تلك الممارسات، وأن تتصدى السياسة الخارجية بقوة واقتدار لمحاولات انتهاك حرية أراضيها وامتهان سيادتها أو الأضرار بمواطنيها.
ثالثًا: المشاركة والاهتمام بما يجري في العالم:
إن الاستقلال والاعتداد لا يعنيان العزلة، فعالم اليوم أصبح من التقارب والاتصال بحيث لا مجال للحديث عن حدود سياسية فاصلة. وليس للمسلمين سوى أن يتعايشوا تعايشًا سلميًا مع الآخرين، دون تبعية أو خضوع. فالإسلام يهتم بأمر المسلمين عامة، ثم أمر العالم كافة، والإسلام يقدر نصرة الحق ويدعو إليها، كما انه مهتم بمتابعة الصراع بين الخير والشر أينما كان {الَم. غلبتِ الرومُ. في أدنَى الأرضِ وهُم مِن بعدِ غلبهِم سيغلبونَ. في بضعِ سنينَ للهِ الأمر مِن قبلُ ومِن بعدُ ويومئذ يفرحُ المؤمنونَ. بنصرِ اللهِ ينصرُ مَن يشاءُ وهوَ العزيزُ الرحيمُ} (105) .
وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - مهتمًا بما يجري حوله في العالم من وقائع وأحداث، كما كان مهتمًا بأن ينتشر أمر الدعوة في كل البقاع، وليس أدل على ذلك من كثرة السفراء الذين بعث بهم يحملون رسائله إلى الملوك والأباطرة عهد ذاك. فممن بعث بهم، الصحابي الجليل معاذ بن جبل، الذي أرسله بكتاب إلى ملوك اليمن: الحارث، ومسروع، ونعيم بن عبد كلال، من حمير، يدعوهم إلى الإسلام. كما بعث الرسول عليه السلام العلاء بن الحضرمي سفيرًا إلى البحرين، موفدًا إلى المنذر بن ساوى العبدي، يدعوه إلى الإسلام، كما أرسل غيرهم من السفراء إلى كسرى ملك الفرس، وهرقل الروم، ونجاشى الحبشة.
الحرية والمساواة:
إن من الأهمية بمكان، أن تحرص السياسة الخارجية على الإقرار بمبدأ المساواة والحرية المنصوص عليه في المواثيق الدولية، لأنهما من أهم العوامل التي تحقق الأمن والسلام محليًا ودوليًا. وقد دعا الإسلام إلى الحرية والمساواة، ما لم يتضمنا عدوانًا وانتهاكًا لحرية الآخرين وحقوقهم، ومهما بلغ العسف والافتئات من القوى الغالبة على الدول التي تغالب في سبيل النهوض والتحرر، فان ذلك لا يجدر أن يكون مدعاةً لتخلى المسلمين عن مبادئهم الراسخة في توخي الحرية والمساواة حيال حقوق الآخرين في سياساتهم ورغباتهم.
التعاون الدولي:
من أجل تأسيس تعاون دولي جاد، يحسن أن تسعى السياسة الخارجية إلى تصحيح الأوضاع الجائرة في مؤسسات التعاون الدولي القائمة، ورفض الخروج عليها بأية حجة، وتخليص هذه المنظمات من هيمنة