إن من أخطر العناصر على الأمن أولئك الذي يدينون بالولاء لجهة خارجية، وهو ولاء إما أن يكون مدفوعًا بحافز العمالة لتلك الجهة، أو بواعز الإعجاب بأسلوب أهلها ومنهجهم والولع بتقليده، أو التذلل لنفوذ الوسائل التي تستخدمها أجهزة المخابرات للسيطرة على عملائها. قال تعالى: {يَا أيهَا الذينَ آمنُوا لا تتخذُوا عدوّي وعدوكُم أولياءَ تلقونَ إليهم بالمودةِ وقَد كفرُوا بمَا جاءكُم من الحقِ يخرجونَ الرسولَ وإياكم أن تؤمنُوا باللّه ربكم إن كنتُم خرجتُم جهادًا في سبيلي وابتغاءَ مرضاتي تسرونَ إليهم بالمودة وأنَا أعلمُ بمَا أخفيتم ومَا أعلنتُم ومَن يفعلهُ منكُم فقد ضل سواءَ السبيلِ. إن يثقفوكُم يكونُوا لكُم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهُم وألسنتهُم بالسوءِ وودّوا لو تكفرُونَ} (117) .
ولذا كانت وحدة الولاء وانحيازه الكامل لوحدة المؤمنين وديارهم شرطًا حاسمًا للسلامة من الكيد الخارجي: {يا أيهَا الذينَ آمنُوا إن تطيعُوا الذينَ كفرُوا يردوكُم على أعقابكُم فتنقلُبوا خاسرينَ} (118) . ويجيء التحذير مبينًا: {ولَن ترضَى عنكَ اليهود ولا النصارَى حتّى تتبعَ ملتهُم قُل إنّ هدَى اللّه هوَ الهدَى ولئنِ اتّبعتَ أهواءهُم بعدَ الذي جاءكَ مِن العلمِ ما لكَ مُن اللّهِ مِن ولِي ولا نصِير} (119) .
الانضباط، والبعد عن مواقع الشُّبهة والفتنة:
يبحث العدو دائمًا عن العناصر التي يعتروها الضّعف والميل إلى الفساد، فيستغلّها ويجندها لتعمل لصالحه.
وخير ضمانة من الوقوع في حبائل العدو، اختيار العناصر المنضبطة، ذات التّدين الذي يحملها على مراقبة الله، أو ذات الوازع الوطني الذي يحضها على التمسك بمبادئ الفداء والتضحية.
وتظل تلك العناصر في حاجة مستديمة إلى التدرب لترقية الحسن الأمني والتزكية بالورع والتقوى، ثم تكثيف الضوابط لمراقبة أي انحراف، والمحاسبة والتأديب إزاء أي تجاوز.
وتجيء تلك الإجراءات ضمانًا للسرية، وتحقيقًا للعدالة، وبسطًا لحرية الناس، تلك التي تفرضها الامكانات الوافرة التي يتمتع بها رجل الأمن دون سائر المواطنين، وإطلاعه على كثير من الأسرار والمعلومات بحكم ذلك، وفي هذا فتنة تزين له ارتكاب الفواحش والمحرمات أو إيذاء الناس وابتزازهم والاستهتار بحرماتهم، لذا كان لزامًا أن يحاط النظام الأمني وأفراده ـ بعد الكفاءة المهنية والضوابط الأخلاقية ـ برقابة شعبية، وأن يُعبأ الشعب كله بوعي أمني، ليبسط رقابته على أعمال الأعداء، وعلى انحراف المنحرفين من رجال الأمن الذين تسول لهم أنفسهم استغلال سلطاتهم وإمكاناتهم.
صعوبات إنتاج المخابرات:
الوقت:
إن أهمية الوقت ذات قيمة عظمى في إنتاج المخابرات: سواء في مرحلة الجمع، أو التحليل، أو التوزيع، فكثيرًا ما يكون العمل في هذه الحالة شبيهًا بالبحث العلمي، خاصةً في القضايا التي تبحث في أحداث المستقبل واحتمالاته، إذ يمكن تلافي أي نقصان في المعلومات، بتكليف مصادر مطلعة للبحث وتكملة تلك المعلومات. ولكن في كثير من تقديرات المخابرات يطلب متخذوا القرار تقريرًا إستخباريًا عاجلًا ـ أو ربما تطلبت الظروف إجراء ذلك التقدير ـ نسبة إلى دواعي الأهمية والاستعجال. وقد درجت العادة، في هذه الحالات أن يتغاضى محللو المخابرات عن الدقة المتناهية في جمع المعلومات، وفي التنبؤ، ليبني التقدير على أساس المعلومات المتوافرة، وهذا أجدى من معلومات وتقديرات مفصلة تأتي بعد فوات الأوان، إذ يتقدم هنا مبدأ المواءمة الزمنية على الدقة.
الدقة:
إن العمل الإستخباري يعتمد على تقدير نوايا العدو ليتنبأ بما سوف يفعله، وتعتمد التنبوءات على المعلومات الإستخبارية، وهي معلومات تنهض على دقة المصادر، وعى مدى نفاذ العدو عبر الخداع وتسريب المعلومات المضللة. ولتخفيف هذا الأثر وضع نظام تصنيفي فعال للمصادر ـ حسب دقتها ـ فترفق ورقة المصدر مع المعلومات، حاوية درجة مصداقيته، التي يعبر عنها بصيغة مثل: (موثوق به جدًا، أو موثوق به عادةً، أو موثوق به .. الخ) . ويتفادى خداع العدو بمطابقة الأحداث مع مجريات الأمور، وبتعدد المصادر، والحذر في تصديق المعلومات، واختبارها بمحاولة دحضها، وانتظار معلومات أخرى تؤكدها.