الصفحة 84 من 90

فجعل الكفار من قريش يجلسون بكل طريق من طرق مكة حين جاء الموسم، لا يمرُّ بهم أحدٌ إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره، فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة قوله: {ذرني ومَن خلقتُ وحيدًا. وجعلتُ لهُ مالًا ممدودًا. وبنينَ شهودًا. ومهدتُّ لهُ تمهيدًا. ثمَّ يطمعُ أن أزيدَ. كلاَّ إنهُ كانَ لآياتنا عنيدًا. سأرهقهُ صعودًا. إنهُ فكرَ وقدرَ. فقتلَ كيفَ قدرَ. ثمَّ قتلَ كيفَ قدرَ. ثمَّ نظرَ. ثمَّ عبسَ وبسرَ. ثمَّ أدبرَ واستكبرَ. فقالَ إن هذَا إلا سحرٌ يؤثرُ. أن هذا إلاَّ قولُ البشرِ. سأصليهِ سقرَ. ومَا أدراكَ ما سقرُ. ومَا أدراكَ ما سقرُ. لا تُبقِى ولا تذرُ. لواحةٌ للبشرِ. عليهَا تسعةَ عشر} (153) .

الحصار الاقتصادي:

الحصار الاقتصادي من وسائل الحرب النفسية الفتاكة، يستخدمه العدو ليدمر نفسية الشعب قبل أن يدمر معاشه ونشاطه. وهو وسيلة قديمة متجددة، نشاهدها اليوم باسم مكافحة الإرهاب حينًا، وباسم تحقيق الأمن الدولي حينًا آخر، وباسم حقوق الإنسان أحيانًا كثيرة. والحصار الاقتصادي من الشواهد القوية على وعي البشرية ـ الفطري المبكر ـ بوسائل الحرب المختلفة. فقد كان واحدًا من أساليب مشركي قريش في تصديهم للإسلام، حينما عقدوا مؤتمرًا وكتبوا كتابًا على بني هاشم وبني عبد المطلب: «ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، ولا يقبلوا منهم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا محمدًا للقتل، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم وبنو عبد المطلب: مسلمهم وكافرهم إلى أبي طالب ودخلوا معه في شعبه، فأقاموا على ذلك سنتين، أو ثلاثًا، حتى جهدوا وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرًا، وقطعت قريش عنهم الأسواق، حتى كان يُسمع أصوات أبنائهم ونسائهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع، واشتدوا على من اسلم ممن لم يدخل الشعب وعظُمت الفتنة وزلزلوا زلزالًا شديدًا» .

هذه هي أساليب الحرب النفسية، امتاز أعداء الإسلام على المسلمين بامتلاك أدواتها وتطويرها، حتى كادت تفتن ابناء الإسلام، وتبعدهم عن هوياتهم بعد أن خلخلت قوتهم ونفذت إلى أغلى ما لديهم: ثقتهم بعقيدتهم. واليوم نشهد صحوة إسلامية واثقة، نهدت طلائعها لصون الدين، وحماية الثغور، تطلعًا لخير البشرية كلها، لا المسلمين وحدهم، فهل تعي هذه الطلائع عبر الأمس القريب ـ والبعيد ـ ودروسه، وتنطلق لتسخير كل الوسائل التي سخرها الأعداء، طويلًا، ضدهم، ليمتلك المسلمون زمام المبادرة من جديد، ويعلموا العالم كله، إن مثل هذه الوسائل والأدوات ينبغي أخذها بحقها: لا عدوان إلا على من بغى، ولا تشهير، ولا استخفاف بمن راعى حقوق الآخرين. انه نبل الدين، وكرامة مقاصده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت